الجمعة ٠٧ - أغسطس - ٢٠٢٦ القاهرة
08:51:57pm

من أراد القمة… فليصعد درجاتها لا أن يقفز إليها

الجمعة ٠٧ - أغسطس - ٢٠٢٦

بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي

هناك لحظات تمر على المجتمعات لا تكون أهميتها في الحدث نفسه، بل في الدرس الذي تحمله

فالواقعة تنتهي، لكن العبرة تبقى، والحكمة هي أن نتعلم من أخطاء الآخرين قبل أن ندفع ثمن أخطائنا نحن

 

الحياة علمتنا أن الإنسان قد يحلم بمنصب، أو مال، أو شهرة، أو مكانة، وهذا حق مشروع. لكن الوسيلة

هي التي تصنع الفرق بين قصة نجاح تُروى للأجيال، وقصة سقوط تصبح عبرة للأجيال أيضًا

 

لقد سجل التاريخ مواقف لا تُنسى، تؤكد أن الطريق الخطأ مهما بدا سهلًا أو مغريًا، فإن نهايته واحدة

 

فقصة قارون لم تكن عن رجل أحب المال، وإنما عن إنسان ظن أن القوة والثراء يصنعان له مكانة

فوق الحق، فكانت نهايته عبرة خالدة لكل من ظن أن الباطل يدوم

 

ونقرأ في التاريخ أيضًا عن أناس انتحلوا صفات ليست لهم، فتقمص بعضهم شخصية الطبيب، أو الضابط

 أو المسؤول، أو العالم، وظنوا أن المظهر يصنع الحقيقة

 

ربما نجحوا في خداع الناس أيامًا أو شهورًا، لكن الحقيقة انتصرت في النهاية، وسقطت الأقنعة

وبقيت السمعة المهدرة والعقوبة القانونية

 

ويعلمنا التاريخ كذلك أن العظماء الحقيقيين لم يصلوا بالقفز، بل بالصبر

فالأنبياء تحملوا الابتلاء، والعلماء أفنوا أعمارهم في طلب العلم، والمصلحون واجهوا الصعاب قبل أن

يخلدهم التاريخ

 

 لم يكن المجد يومًا هدية، وإنما كان ثمرة تعب وصبر واستقامة

ذلك لأن الحقيقة لا تُزوَّر، والمكانة لا تُستأجر، والهيبة لا تُشترى

 

إن أخطر ما يواجه شباب اليوم هو ثقافة “الطريق المختصر”

يريد البعض أن يصل قبل أن يتعب، وأن يجني الثمار قبل أن يزرع، وأن ينال الاحترام قبل أن يستحقه

 لكن قوانين الحياة لا تتغير لإرضاء أحد

 

فالطبيب لم يصبح طبيبًا في يوم واحد، والقاضي لم يصل إلى منصة العدالة بمجرد ارتداء الرداء

والمهندس لم يحمل لقبه بالمصادفة، والمعلم لم يقف أمام طلابه إلا بعد سنوات من العلم والاجتهاد

كل لقب محترم يقف خلفه تعب، وسهر، وصبر، وعرق، والتزام

 

إن أكبر وهم يمكن أن يعيشه الإنسان هو أن الطريق الخطأ قد يقوده إلى نهاية صحيحة

وهذا لم يحدث في التاريخ، ولن يحدث أبدًا

 

قد يربح الإنسان بالكذب لحظة، لكنه يخسر ثقة الناس سنوات

وقد يختصر الطريق بالخداع، لكنه يطيل طريق الندم

وقد يفرح بمشهد مؤقت، لكنه يستيقظ على واقع لا يرحم

 

ولهذا، فإن رسالتي إلى كل شاب وفتاة هي

إذا حلمت بمنصب، فاستحقه

وإذا تمنيت مكانة، فابنها بالعلم

وإذا أردت احترام الناس، فابدأ باحترام القانون

 

لا تجعل الرغبة تُعميك عن الصواب، ولا تجعل استعجال النجاح يدفعك إلى اختيار وسيلة تخسرك

نفسك قبل أن تخسرك المجتمع

 

من أراد القمة… فليصعد درجاتها، لا أن يقفز إليها

فالقفز قد يوصلك إلى مكان مرتفع للحظات، لكنه لا يمنحك الثبات، أما الصعود درجةً بعد درجة، فهو

وحده الذي يصنع الإنسان، ويمنحه الخبرة، ويكسبه احترام الناس، ويجعل نجاحه مستحقًا لا مصطنعًا

 

وفي النهاية، تذكروا دائمًا أن الوصول الحقيقي ليس أن تقف على المنصة، بل أن تستحق الوقوف عليها

وأن الناس قد تصفق للمشهد، لكنها لا تحترم إلا الحقيقة

 

فلا تبحث عن أقصر الطرق إلى المجد، بل ابحث عن أنقى الطرق إليه، لأن المجد الذي يُبنى على

الباطل ينهار عند أول اختبار، أما المجد الذي يُبنى على الحق فيبقى، ويورث صاحبه احترامًا لا تصنعه

الألقاب ولا المظاهر، بل يصنعه الصدق والعمل والشرف

 

فالأحلام لا تتحقق بالقفز فوق القيم، وإنما بالصعود إليها خطوةً بعد خطوة. ومن سار في طريق الحق

ربما تأخر قليلًا، لكنه إذا وصل، وصل مرفوع الرأس، مطمئن الضمير، تاركًا وراءه سيرةً طيبةً

 لا قضيةً تُروى، ولا ندمًا يُنسى

 

 

 



موضوعات مشابهه