المحامي اليوم.. والمهنة تحتضر
الخميس ١٠ - سبتمبر - ٢٠٢٦
كتب: عاطف لبيب النجمي
المحامي بالنقض
المحامي اليوم لا يشبه محامي ما قبل عام 1952؛ قد تتغير الأسماء والوجوه، لكن مكانة المهنة تتراجع
كلما تراجع المحامي عن الدفاع عن كرامته وحقوقه.
قد يكون المحامي نقيبا سابقا، أو عضوا بمجلس النقابة، أو قاضيا سابقا، أو وكيلا للنيابة، أو أستاذا
ورئيسا لقسم القانون، وقد يكون من ألمع المترافعين وأكثرهم قدرة على كسب القضايا.
لكن ماذا تفيد كل هذه الألقاب إذا كان المحامي لا يتحدث عن خطورة تحول الحبس الاحتياطي من
إجراء استثنائي إلى عقوبة فعلية، ولا يرفع صوته ضد حبس أصحاب الرأي، ولا يدافع عن استقلال
المهنة وكرامة المحامي؟
والأكثر إيلاما أن يقف هذا "الجهبذ" إلى جوار زملائه ساعات طويلة في ممر ضيق، بلا تهوية أو إضاءة كافية
أمام غرفة مداولة تعقد فيها جلسة جنايات، ثم يدخل للمرافعة ليقف أمام مكتب تجلس خلفه هيئة المحكمة
حاملا ملف القضية في يده، ويقلب أوراقه بيد بينما يحاول الحفاظ على بقية أوراقه باليد الأخرى.
ولا يعترض
ليس لأنه لا يرى الإهانة، وإنما لأن مفهوم المهنة عند البعض اختزل في سؤال واحد:
كيف أكسب القضية؟ وكم سأحصل من أتعاب؟
المحاماة ليست مجرد مهارة في المرافعة، ولا فنا في اقتناص الأحكام، ولا وسيلة لتحصيل الأتعاب.
المحاماة رسالة، وأول واجبات صاحب الرسالة أن يدافع عن كرامة رسالته.
فإذا قبل المحامي أن يعامل بطريقة غير إنسانية، وهو الذي يفترض أن يكون شريكا في
تحقيق العدالة، فكيف سيطالب الآخرين باحترام القانون والإنسان؟
المشكلة ليست في الممر الضيق وحده، ولا في المكتب الذي يقف أمامه المحامي، ولا في ساعات الانتظار
وإنما هي أعمق من ذلك بكثير.
المشكلة أن المهنة تفقد قدرتها على الاعتراض
وحين يفقد المحامي القدرة على قول "لا" عندما تمس كرامته، يصبح الحديث عن استقلال المحاماة مجرد شعار.
قد نكسب بعض القضايا، وقد نحصل على أعلى الأتعاب، وقد نملأ القاعات بالمحامين المساعدين،
وقد نحمل الألقاب، مستشارا للرئيس أو الوزير، أو رئيسا للجنة برلمانية، وقد ننشر إعلانات توظيف، لكن
كل ذلك لا يحفظ كرامة المهنة كما كانت قبل عام 1952.
وإذا ماتت كرامة المحامي، فإن المهنة نفسها تكون في طريقها إلى الموت.
المهنة لا تحتضر بسبب قلة المحامين، وإنما بسبب قلة من يدافعون عن كرامتها.
يتراجع المحامي عن الدفاع عن كرامته وحقوقه.
قد يكون المحامي نقيبًا سابقًا، أو عضوًا بمجلس النقابة، أو قاضيًا سابقًا، أو وكيل نيابه سابقا
المحامى لا يتحدث عن خطوره تحول الحبس الاحنياطى من اجراء استثنائى الى عقوبه فعليه
والتحرك النقابي لم يعد رفاهية
لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من البيانات التي تُحفظ في الأدراج، ولا مزيدًا من الكلمات
في المؤتمرات، وإنما تحرك نقابي حقيقي ومنظم يعيد للمحامي اعتباره داخل منظومة العدالة.
نحتاج إلى نقابة ترصد هذه الوقائع، وتوثقها، وتخاطب الجهات
المسؤولة بشأنها، وتضع معايير واضحة لظروف عمل المحامين داخل المحاكم، وتدافع عن حقهم في
المعاملة اللائقة، كما تدافع عن حق المتهم في المحاكمة العادلة.
والأهم أن يكون للمحامين موقف جماعي من القضايا التي تمس جوهر المهنة وسيادة القانون، وفي
مقدمتها الحبس الاحتياطي، وحماية حق الدفاع، واستقلال المحاماة، واحترام كرامة المحامي
واستقلال القضاء.
فالنقابة التي لا تتحرك عندما يهان المحامي، ولا تطالب باستقلال القضاء، تفقد أحد أهم أسباب وجودها.
وليس المطلوب صداما مع أحد، وإنما المطلوب أن تستعيد النقابة دورها الطبيعي: صوتا للمحامين
وحارسا لكرامة المهنة، وشريكا حقيقيا في تحقيق العدالة.
فالسكوت لم يعد يحمي المهنة
وإذا لم نتحرك الآن، فقد يأتي يوم لا نجد فيه مهنة ندافع عنها.


