انطلاق فعاليات ملتقى أدباء القاهرة تحت عنوان "تراث القاهرة في الأدب"
الأربعاء ٠٦ - مايو - ٢٠٢٦
شهد مسرح السامر بالعجوزة، انطلاق فعاليات ملتقى أدباء القاهرة تحت عنوان "تراث القاهرة في الأدب"، دورة الشاعر الكبير فؤاد حجاج، وذلك برعاية الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، وتنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة.
في كلمته بالجلسة الافتتاحية، أوضح الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي ورئيس الملتقى، أن اختيار عنوان "تراث القاهرة في الأدب" يعكس رسالة ثقافية وفنية تؤكد ارتباط الهوية المصرية بالعادات والتقاليد، لافتا إلى أن القاهرة، بتاريخها الممتد من الفسطاط إلى العصور الفاطمية والأيوبية، تمثل نموذجا لوحدة الهوية وتنوعها، وهو ما تجلى في تنوع الدراسات والأبحاث المقدمة.
ونقل الشاعر وليد فؤاد، مدير عام الثقافة العامة، تحيات رئيس الهيئة للحضور، مؤكدا أن الملتقى يوجه رسالة ثقافية مهمة للمجتمع، تعكس وعي المؤسسات الثقافية بدورها في الحفاظ على الهوية المصرية وصون الذاكرة الإبداعية للعاصمة.
وأشاد بالجهود المتميزة التي بذلها الباحثون والمشاركون في تقديم أوراق علمية ثرية عكست تنوع المقاربات النقدية والفكرية، إلى جانب التنظيم الدقيق للملتقى، مثمنا الدور الذي يقوم به فرع ثقافة القاهرة في دعم الحراك الثقافي.
وأكد الشاعر محمد فوزي أبو شادي، أمين عام الملتقى، أهمية الملتقى في إبراز التراث الأدبي للقاهرة بوصفها مدينة نابضة بالإبداع، مشيرا إلى أنه يمثل مساحة حيوية للحوار الثقافي وتبادل الرؤى حول تجليات المدينة في مختلف أشكال الأدب.
وأشار إلى أن إطلاق اسم الشاعر الكبير فؤاد حجاج على الدورة يأتي تقديرا لقيمته الشعرية وتجربته الإبداعية، مثمنًا ما قدمه الباحثون من أوراق علمية أسهمت في إثراء الملتقى، وموجها الشكر لجميع القائمين على تنظيمه والمشاركين وأعضاء لجنة الأبحاث.
وأكدت الدكتورة ابتهال العسلي، مدير عام فرع ثقافة القاهرة، أن القاهرة تظل مصدر إلهام لا ينضب، ووصفتها بأنها "كائن يسكننا"، مشيرة إلى أن الأدباء عبر العصور نجحوا في توثيق ملامحها، وعلى رأسهم الشاعر فؤاد حجاج الذي عبر عن نبضها في أعماله، مؤكدة أهمية الأبحاث والمناقشات في دعم الحوار الثقافي وتعزيز الوعي.
قدم فعاليات الملتقى الإذاعي محمد عبد العزيز، بحضور نخبة من الأدباء والشعراء والباحثين.
وشهدت الفعاليات تكريم اسم الشاعر الراحل فؤاد حجاج، حيث تسلم التكريم نجله شادي فؤاد حجاج، إلى جانب تكريم عدد من رموز الحركة الأدبية، منهم الناقد حمدي عبد الرازق، والشاعرة أمل عامر، والشاعر عيد عبد الحليم، والشاعر عمارة إبراهيم، والشاعر شرقاوي حافظ، وعدد من القيادات الثقافية.
كما شهدت الفعاليات افتتاح معرض للحرف التراثية، ضم مجموعة متنوعة من المنتجات اليدوية، منها المشغولات المكرمية، والحلي، والمصنوعات الجلدية، بمشاركة قصر ثقافة المطرية، وقصر ثقافة عين حلوان، وبيت ثقافة نادي الطيران – فرع التجمع، إلى جانب فرع ثقافة القاهرة. وتضمن الافتتاح أيضا معرضا لإصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة، في إطار دعم الصناعات التراثية وتعزيز الوعي الثقافي.
وعقدت جلسة خاصة حول شخصية فؤاد حجاج، تحدث خلالها الشاعر عمارة إبراهيم عن تجربته الشعرية وبصمته في العامية المصرية، مؤكدا أنه استطاع أن يكون رمزا خاصا في الشعر، فيما استعرض المشاركون جوانب من تأثيره الفني والإنساني، مع إلقاء مختارات من أشعاره التي عبرت عن وجدان الشارع المصري.
الجلسة البحثية الأولى "القاهرة في الشعر"
وعقدت الجلسة البحثية الأولى بعنوان "القاهرة في الشعر"، والتي قدمتها الشاعرة إلهام عفيفي، رئيس نادي أدب المطرية، حيث تناولت الجلسة صورة القاهرة في الوجدان الشعري عبر العصور، وما تحمله من دلالات إنسانية وتاريخية عميقة.
واستهل الشاعر حزين عمر ورقته البحثية التي جاءت بعنوان "منتديات ملاهي القاهرة وحرافيشها في الشّعر العربي، مؤكدا أن القاهرة مدينة جديرة بأن تفرد لها ملتقيات عديدة، لما تتمتع به من ثراء حضاري وإنساني فريد، مشيرا إلى أن كل نسمة هواء فيها تحمل تاريخا من الصمود، وأنها لا تقتصر على القاهرة الفاطمية، بل تمتد جذورها إلى الفسطاط التي نشأت حول حصن بابليون مع دخول عمرو بن العاص، قبل أن تتطور عبر العصور لتصبح العاصمة التي بدأت في الأصل كمعسكرات.
وأوضح أن القاهرة تمثل كتلة بشرية وروحية ممتدة عبر أكثر من ألف عام، لافتا إلى أن هذا امتدادها العمراني صاحبه صرح شعري مواز، حيث أبدع الشعراء مئات القصائد عنها.
وأضاف أن كتابه "ديوان القاهرة"، الصادر عام 1998، رصد ملامح المدينة في الشعر العربي من خلال تفاصيلها المتنوعة، مثل الليل، والحارات، والملاهي، والآثار، والحرافيش، والنيل، والمساجد والكنائس، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الشعراء تناولوا هذه الجوانب، من بينهم أمية بن أبي الصلت، وعمارة اليمني، وحسن فتح الباب، وعلي محمود طه، وعبد الحميد الديب، وعبد المنعم عواد يوسف، وجيلي عبد الرحمن.
وفي ورقته البحثية بعنوان "القاهرة في الشعر الحديث بين سطوة المكان والتحليق بالمخيلة"، تناول الشاعر عيد عبد الحليم مكانة القاهرة بوصفها المدينة المركز التي جذبت الشعراء والمستشرقين، في مقابل الإسكندرية التي ارتبطت بشعراء البحر المتوسط.
وأشار إلى أن عددا من الشعراء الذين برزوا في القاهرة، مثل خليل مطران، أسهموا في تشكيل ملامح الشعر الحديث، لافتا إلى أن قصيدة "الكوليرا" مثلت نقطة تحول مهمة في مسار الشعر المصري، وأحدثت ما يشبه الثورة الشعرية، التي تجلت لاحقا في أعمال شعراء مثل صلاح عبد الصبور.
كما استعرض تجربة الشاعر صلاح عبد الصبور، أحد رموز جيل ثورة يوليو 1952، موضحا تأثره بنشأته الريفية، وهو ما انعكس في ديوانه "الناس في بلادي"، خاصة في قصيدة "شنق زهران"، التي حملت وعيا إنسانيا عميقا ورؤية فلسفية مؤثرة.
وتطرق كذلك إلى تجارب شعرية أخرى، من بينها أعمال عبد المحسن حجازي، وأمل دنقل، خاصة قصيدته "خالد دقت الساعة"، التي مثلت بيانا شعريا ثوريا في لحظة تاريخية فارقة، مؤكدا أن القاهرة ظلت مصدر إلهام دائم لهؤلاء الشعراء.
كما أشار إلى قصائد محمد إبراهيم أبو سنة، وإبداعات شعراء جيلي الثمانينيات والتسعينيات، مؤكدا أن الكتابة عن المكان تتطلب انفتاحا على تفاصيله، وأن القاهرة تظل حالة خاصة تحمل خصوصية تراثية وثقافية متفردة.
وأكد أن الحركة الأدبية ليست حالة سكون، بل فعل متجدد يعكس حيوية المجتمع، وتبقى القاهرة في قلب هذا الحراك بما تمثله من مصدر دائم للإلهام والإبداع.
واختتمت الجلسة الأولى بالتأكيد على أهمية استمرار هذه الملتقيات في توثيق التراث الأدبي وتعزيز الهوية الثقافية، وفتح آفاق جديدة للبحث والدراسة حول القاهرة بوصفها منبعا متجددا للإبداع.
ويقام الملتقى ضمن خطة إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، وفرع ثقافة القاهرة، بالتعاون مع الإدارة المركزية للشئون الثقافية، والإدارة العامة للثقافة العامة.


