الإثنين ٠٤ - مايو - ٢٠٢٦ القاهرة
09:57:21pm

في لحظةٍ فاصلة من تاريخ الأمم، لا تُقاس القرارات بحسن النوايا… بل بميزان القوة، وذاكرة العالم التي لا ترحم.

الإثنين ٠٤ - مايو - ٢٠٢٦

لم يكن ما فعله القذافي في عام 2003 مجرد خطوة سياسية، بل كان مقامرة كبرى على فكرةٍ قديمة: أن السلام يمكن شراؤه بالتنازل، وأن الأمان يُمنح لمن يُحسن الظن بالوعود. جلس الرجل، محاصرًا بسنوات من العقوبات والعزلة، ينظر إلى شعبٍ أنهكه الحصار، وإلى دولةٍ تبحث عن نافذة تنفّس… فاختار أن يفتح الباب.

سلّم كل شيء.
لم يساوم… لم يناور… لم يحتفظ بورقةٍ أخيرة.
قدّم برنامجه كما يُقدّم اعتذارًا كاملاً، لا رجعة فيه.

وفي تلك اللحظة، ظنّ أنه يعيد كتابة مستقبله.
لكنه في الحقيقة… كان يمحو آخر سطور قوته.

مرّت السنوات، وتبدّلت الوجوه، وتصافحت الأيادي، وابتسمت الكاميرات. بدا وكأن العالم كافأه على “حُسن السلوك”، وكأن التاريخ قد طوى صفحة الصراع. لكن التاريخ لا ينسى… بل ينتظر اللحظة المناسبة ليُعيد ترتيب أوراقه.

ثم جاءت اللحظة.

في 2011، لم تشفع له التنازلات، ولم تحمه التوقيعات، ولم تُنقذه صور المصافحات. سقطت الأقنعة بسرعةٍ مذهلة، وتحولت الضمانات إلى صمت، والصداقة إلى صواريخ، والوعود إلى غبار.

سقط الرجل…
لكن ما سقط معه لم يكن شخصًا فقط، بل فكرة كاملة.

سقطت فكرة أن العالم يُكافئ من يجرّد نفسه من أسباب قوته.
وسقط الوهم بأن النوايا الطيبة يمكن أن تقف أمام حسابات المصالح.
وسقط الاعتقاد بأن من يملك القوة قد يكتفي بالعدل.

ومن بين الركام، خرج درسٌ قاسٍ، لا يُكتب بالحبر… بل يُنقش في وعي الدول:

أن السلام لا يُطلب من موقع الضعف، بل يُفرض من موقع الندّية.
وأن الضمانات لا قيمة لها إن لم يكن خلفها قوة تحميها.
وأن من يسلّم أوراقه كلها… يسلّم مستقبله لغيره.

لذلك، لم يكن غريبًا أن تراقب عواصم أخرى المشهد في صمتٍ عميق، لا لتتأثر بالعاطفة… بل لتتعلم.
ففي عالمٍ لا يعترف إلا بالتوازن، يصبح الدرس أوضح من أي خطاب:
القوة ليست رفاهية… بل شرط بقاء.

قد يختلف الناس في تقييم القذافي، في سياساته، في أخطائه… لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن نهايته لم تكن مجرد نهاية رجل، بل كانت رسالة مفتوحة لكل من يظن أن التاريخ يرحم الضعفاء.

التاريخ لا يرحم…
والسياسة لا تنسى…
والعالم لا يحترم إلا من يملك ما يجبره على الاحترام.

العبرة التي لا تحتمل التأويل:
الثقة بلا قوة، ليست فضيلة… بل مخاطرة.
والسلام بلا توازن، ليس سلامًا… بل هدنة مؤقتة حتى يكتمل المشهد.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يُحب أحد سماعها:
الدول لا تُحمى بالنوايا… بل بما تملك من قدرة على حماية نفسها.

د. فريد شوقي
صوتٌ يعرف أن الكرامة لا تُمنح… بل تُنتزع، وأن السلام بلا قوة… وهمٌ مؤقت



موضوعات مشابهه