انتخابات الكونجرس الأمريكي ترسم مستقبل أوروبا مع ترامب
الأحد ٠١ - نوفمبر - ٢٠٢٦
تترقب العواصم الأوروبية نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، المقرر إجراؤها
في 3 نوفمبر الجاري، باعتبارها محطة سياسية مهمة قد تعيد رسم ملامح العلاقات بين واشنطن
وأوروبا، في ظل تصاعد الخلافات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب في أوكرانيا
ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي داخل القارة، والرسوم الجمركية التي تهدد التجارة عبر الأطلسي
فضلًا عن تداعيات المواجهة مع إيران على أسواق الطاقة والاقتصاد الأوروبي.
وأشارت صحيفة «لاراثون» الإسبانية، في تقرير نشرته عبر موقعها الإلكتروني، إلى أن الانتخابات
تأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي يواجه تحديات متزامنة تتعلق بأمنه
الدفاعي، واستقرار أسواق الطاقة، وحماية صادراته.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد الحزب المسيطر على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وإنما
تمتد إلى مدى قدرة الكونجرس على فرض رقابة أكبر على قرارات ترامب الخارجية، وتقييد بعض
تحركاته من خلال الموازنة والتشريعات والتحقيقات البرلمانية.
من جانبها، أشارت صحيفة «إلبيريوديكو» الإسبانية إلى أن خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على
إحدى غرفتي الكونجرس أو كلتيهما قد تضعف النفوذ السياسي لترامب، وتحوله إلى ما يُعرف سياسيًا
بـ«البطة العرجاء»، أي رئيس تتراجع قدرته على تمرير أجندته السياسية، رغم احتفاظه بصلاحياته التنفيذية.
وترى كالوتا جارسيا إنسيتا، الباحثة الرئيسية في الشؤون الأمريكية والعلاقات عبر الأطلسي
بالمعهد الملكي الإسباني «إلكانو»، أن فوز الديمقراطيين لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير جذري في
السياسة الخارجية الأمريكية، لكنه قد يرفع التكلفة السياسية لبعض قرارات ترامب، ويجعل تنفيذ عدد
من تحركاته الخارجية أكثر صعوبة.
أوكرانيا.. هل تعيد الانتخابات حسابات الدعم الأمريكي لكييف؟
يأتي مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا في مقدمة الملفات التي تراقبها أوروبا، وسط مخاوف من أن
يؤدي تغير أولويات واشنطن إلى تقليص المساعدات العسكرية والمالية المقدمة لكييف، بما يفرض
ضغوطًا إضافية على الحكومات الأوروبية لتعزيز إنفاقها الدفاعي وتطوير قدراتها العسكرية.
وفي حال استعادة الديمقراطيين السيطرة على الكونجرس، فقد يدفعون نحو إقرار حزم جديدة من
المساعدات لأوكرانيا، وتعزيز العقوبات المفروضة على موسكو، إلى جانب مطالبة إدارة ترامب
بتوضيحات بشأن المفاوضات مع روسيا، وهو ما قد يؤثر في مسار الحرب وحسابات الأمن الأوروبي.
كما يمكن لمجلس النواب توظيف سلطته على الموازنة للتأثير في قرارات الإدارة الأمريكية المتعلقة
بتمويل أوكرانيا، بما قد يصعب اتخاذ قرار مفاجئ بوقف الدعم أو تقليصه بصورة كبيرة.
القوات الأمريكية في أوروبا.. هل يستطيع الكونجرس وقف الانسحاب؟
يمثل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للعواصم الأوروبية، خاصة
بعد إعلان ترامب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، وإلغاء نشر 4 آلاف عسكري في بولندا، وسط مخاوف
من توسيع نطاق الانسحاب بما يؤثر في قدرات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ويزيد الأعباء الدفاعية
على الدول الأوروبية.
وفي المقابل، يفرض قانون الدفاع الأمريكي لعام 2026 قيودًا على خفض عدد القوات الأمريكية في
أوروبا إلى أقل من 76 ألف جندي، ويلزم وزارة الدفاع بتقييم تداعيات أي انسحاب والتشاور مع الحلفاء
كما يضع ضوابط على سحب المعدات وإغلاق المنشآت العسكرية.
وتتضمن التشريعات الأمريكية كذلك قيودًا على انسحاب واشنطن من حلف الناتو بصورة منفردة
إذ يتطلب ذلك موافقة الكونجرس أو موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وفقًا للضوابط
القانونية المعمول بها.
الرسوم الجمركية.. صادرات أوروبا أمام اختبار جديد
تمتد مخاوف أوروبا من نتائج الانتخابات الأمريكية إلى الملفات الاقتصادية والتجارية، خاصة في ظل
الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، وما تسببه من ضغوط على صادرات الدول الأوروبية إلى
السوق الأمريكية، لا سيما في قطاعات الزراعة والغذاء والسيارات والصناعة، التي تواجه مخاطر ارتفاع
تكاليف المنتجات وتراجع قدرتها التنافسية.
وفي حال استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب، فقد يدفعون نحو تشريعات تستهدف إلغاء
بعض الرسوم أو تقييد صلاحيات ترامب في فرض رسوم جديدة دون موافقة الكونجرس، الذي يمتلك
دستوريًا سلطة تنظيم التجارة الخارجية، رغم الصلاحيات الواسعة المفوضة للرئيس.
وقد تفتح هذه التطورات الباب أمام إعادة النظر في السياسة التجارية الأمريكية، بما ينعكس على
مستقبل العلاقات الاقتصادية بين ضفتي الأطلسي.
حرب إيران وأسعار الطاقة.. كيف تتأثر أوروبا؟
تأتي المواجهة الأمريكية مع إيران ضمن الملفات التي قد تتأثر بنتائج الانتخابات، إذ يمكن للأغلبية
الديمقراطية زيادة الرقابة على العمليات العسكرية، ومحاولة تقييد تمويلها أو التدخل الأمريكي في
المنطقة، بما قد ينعكس على مسار التصعيد في الشرق الأوسط.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لأوروبا، نظرًا لتأثير الحرب على إمدادات النفط والغاز
وأسعار الطاقة والتجارة الدولية، إذ قد يسهم تراجع المواجهة في تخفيف الضغوط التضخمية بإسبانيا
وبقية دول القارة، والتي أشار التحليل الإسباني إلى اقترابها من 5%.
ومع ذلك، تظل قدرة الكونجرس على إجبار ترامب على وقف العمليات العسكرية محدودة، في ظل
الحاجة إلى أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو الرئاسي.
الناتو وأمن أوروبا.. هل تتغير موازين العلاقة عبر الأطلسي؟
لا تتوقف تداعيات الانتخابات عند الملفات السابقة، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة
وحلفائها الأوروبيين داخل حلف الناتو، خاصة في ظل الخلافات بشأن توزيع الأعباء الدفاعية
وحجم الالتزام الأمريكي بأمن القارة.
وتسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، لكنها
لا تزال تنظر إلى الوجود الأمريكي باعتباره عنصرًا أساسيًا في منظومة الردع والدفاع الجماعي.
كما قد تفتح نتائج الانتخابات المجال أمام نقاش أوسع داخل واشنطن بشأن حدود الصلاحيات الرئاسية
في التعامل مع التحالفات الدولية، ومدى تأثير القرارات الأمريكية على استقرار العلاقات مع أوروبا.
3 سيناريوهات لنتائج الانتخابات.. أيها الأكثر تأثيرًا على أوروبا؟
تطرح التحليلات الإسبانية ثلاثة سيناريوهات رئيسية لنتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس
الأمريكي، يختلف تأثير كل منها على قدرة إدارة ترامب في إدارة الملفات الداخلية والخارجية.
ويتمثل السيناريو الأول في استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ بأغلبية الثلثين
وهو السيناريو الأكثر تأثيرًا من الناحية التشريعية، إذ قد يتيح لهم تجاوز الفيتو الرئاسي، ويتطلب
ذلك الحصول على 290 مقعدًا في مجلس النواب و67 مقعدًا في مجلس الشيوخ، غير أن استطلاعات
الرأي لا ترجح تحقق هذه النتيجة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استعادة الديمقراطيين السيطرة على المجلسين بأغلبية محدودة
وهو الاحتمال الذي وصفه التحليل بأنه الأكثر ترجيحًا. وفي هذه الحالة، سيكون بإمكانهم التأثير في
التشريعات والموازنة، وفتح التحقيقات البرلمانية، وفرض قيود وشروط قد تجعل بعض التحركات
الخارجية لإدارة ترامب أكثر صعوبة.
وفي ملف أوكرانيا، قد تعني هذه النتائج استمرار مساحة الدعم الأمريكي لكييف أو زيادة صعوبة تقليصه
بينما قد تحدد في ملف الناتو مدى قدرة الإدارة على إعادة تشكيل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
في وقت تظل فيه الرسوم الجمركية والتوترات التجارية عامل ضغط على الاقتصاد الأوروبي.
أما في الشرق الأوسط، فقد يؤدي تشديد الرقابة البرلمانية على العمليات العسكرية إلى زيادة الضغوط
السياسية على الإدارة الأمريكية، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على أسواق الطاقة الأوروبية.
ويظل السيناريو الثالث مرتبطًا باستمرار سيطرة الجمهوريين على الكونجرس، بما يمنح إدارة ترامب
مساحة أوسع لتمرير أجندتها السياسية والخارجية، ويحد من قدرة الديمقراطيين على استخدام
الأدوات التشريعية والرقابية لعرقلة قراراتها.
وبين هذه السيناريوهات، تراهن أوروبا على أن تسفر الانتخابات عن كونجرس أكثر قدرة على
ممارسة الرقابة على قرارات الإدارة الأمريكية، بما يحد من المفاجآت السياسية والعسكرية
والاقتصادية التي قد تؤثر في أمن القارة واستقرارها.


