الناتو يفقد "جهازه العصبي" الأمريكي.. ترامب يفكك الردع الجماعي
السبت ٠٨ - أغسطس - ٢٠٢٦
منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1949، شكّل التحالف أكثر من مجرد إطار للتعاون
العسكري، إذ قام على مبدأ الردع الجماعي بقيادة أمريكية، وجسدت المادة الخامسة من معاهدة واشنطن
جوهر هذا الالتزام، باعتبار أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع أعضاء الحلف
لكن مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تواجه هذه المعادلة اختبارًا جديدًا
في ظل توجه واشنطن نحو إعادة تعريف طبيعة العلاقة مع الحلف، ومطالبة الدول الأوروبية بتحمل
قدر أكبر من أعباء الدفاع، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة أوروبا على تعزيز أمنها بعيدًا عن
الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «إل كونفيدينسيال» الإسبانية، فإن ترامب لا يتجه إلى انسحاب مفاجئ من
الناتو، وإنما يتبنى نهجًا تدريجيًا لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، من خلال إعادة توزيع
القوات والموارد، بما في ذلك خطط لسحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، وإلغاء خطط نشر صواريخ
«توماهوك» بعيدة المدى، إلى جانب تقليص بعض الموارد المخصصة للحلف
ويستند هذا التوجه إلى رؤية ترامب بشأن «تقاسم الأعباء»، إذ يرى أن الولايات المتحدة تحملت خلال
عقود نصيبًا أكبر من تكلفة الدفاع عن أوروبا، وأن على الدول الأوروبية زيادة مساهماتها
العسكرية والمالية في حماية القارة
تهديد روسي وتحديات أمنية
ويأتي النقاش حول مستقبل الوجود الأمريكي في أوروبا في وقت تواجه فيه القارة تهديدات أمنية متزايدة
على خلفية استمرار الحرب في أوكرانيا، إلى جانب المخاوف الأوروبية من الأنشطة الروسية التي تصفها
دول أعضاء في الناتو بأنها تهديدات هجينة تشمل الهجمات السيبرانية والتضليل والتخريب
ويرى مؤيدو استمرار الدور الأمريكي أن تقليص الاعتماد على القدرات العسكرية الأمريكية قد يؤثر
على جاهزية الناتو وتكامله العملياتي، في حين يصر ترامب على ضرورة أن تتحمل الدول الأوروبية
تكلفة أكبر في مجال الدفاع عن أمنها
وقبيل قمة الناتو المقبلة، يضغط ترامب باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، وصولًا إلى
نسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي
وكان أعضاء الحلف قد اتفقوا في يونيو 2025 على رفع الإنفاق الدفاعي إلى هذا المستوى تدريجيًا
بحلول عام 2035، مع استثناء إسبانيا من الالتزام بهذه النسبة
ويعني الوصول إلى هذا المستوى ضخ مئات المليارات من اليوروهات سنويًا في موازنات الدفاع الأوروبية
لتوفير احتياجات تشمل القوات والذخائر والدبابات والطائرات وأنظمة الرادار والدفاع الجوي
إلى جانب تطوير القدرات اللوجستية
أوروبا أمام فجوة عسكرية وهيكلية
ولا تقتصر التحديات التي تواجه أوروبا على توفير الأموال اللازمة لزيادة الإنفاق الدفاعي، وإنما تمتد
إلى فجوات هيكلية تراكمت على مدار عقود
فعلى الرغم من امتلاك الدول الأوروبية جيوشًا وقدرات عسكرية كبيرة، فإنها تعاني من حالة من التشتت
وضعف التكامل، كما لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في عدد من القدرات الحيوية، من بينها جمع
المعلومات الاستخباراتية، والقيادة والسيطرة، والنقل الاستراتيجي، والدفاع الصاروخي، والحرب الإلكترونية
فضلًا عن المظلة النووية الأمريكية
وفي ألمانيا، التي يبلغ إنفاقها الدفاعي نحو 90 مليار يورو، فإن رفع الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي
الإجمالي سيتطلب تخصيص عشرات المليارات الإضافية سنويًا، وهو ما يفرض تحديات مالية كبيرة
وقد يدفع إلى الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض
أما فرنسا، فقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون خططًا لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى نحو 64 مليار يورو
بحلول عام 2027، إلا أن تنفيذ هذه الخطط يظل مرتبطًا بالإجراءات السياسية والمالية الداخلية
3 انقسامات حول مستقبل الأمن الأوروبي
وتكشف الضغوط الأمريكية عن ثلاثة انقسامات رئيسية داخل أوروبا بشأن مستقبل الأمن والدفاع
ويتمثل الانقسام الأول في الجهة التي يجب أن تتولى قيادة الأمن الأوروبي، إذ تدفع فرنسا باتجاه تعزيز
دور الاتحاد الأوروبي وتحقيق ما تسميه «الاستقلالية الاستراتيجية»، بينما تخشى دول أخرى أن يؤدي
تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة إلى إضعاف الالتزام الأمريكي بأمن القارة
أما الانقسام الثاني، فيتعلق بآلية بناء القدرات الدفاعية الأوروبية، وما إذا كان ذلك سيتم من خلال
مؤسسات الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية، أم عبر تعاون مباشر ومتعدد الأطراف بين الدول الأعضاء
فيما يتمثل الانقسام الثالث في الجدل حول مستقبل «العسكرة» الأوروبية، وسط مخاوف لدى
بعض الدول من منح مؤسسات الاتحاد الأوروبي صلاحيات أوسع في ملفات الدفاع والأمن
وبينما تضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة
تجد أوروبا نفسها أمام اختبار استراتيجي حقيقي
هل تستطيع بناء قدرة دفاعية مستقلة وقابلة للتكامل، أم أن المظلة الأمريكية ستظل عنصرًا لا غنى
عنه في منظومة الأمن الأوروبي؟


