الأربعاء ١٩ - أغسطس - ٢٠٢٦ القاهرة
01:29:53pm

بدون جراحة.. تقنية جديدة تساعد فى توصيل العلاج مباشرة للدماغ عبر الأنف

الأربعاء ١٩ - أغسطس - ٢٠٢٦

يمثل الحاجز الدموي الدماغي أحد أكبر التحديات التي تواجه الباحثين في مجال علاج أمراض

الجهاز العصبي، فرغم دوره الحيوي في حماية الدماغ من السموم ومسببات الأمراض الموجودة في

مجرى الدم، فإنه قد يمنع في الوقت نفسه وصول بعض الأدوية الضرورية إلى أنسجة المخ

 

وبحسب دراسة حديثة نُشرت في مجلة «الطب التجريبي والجزيئي»، استعرض باحثون مجموعة واسعة

من التطورات العلمية المتعلقة بطرق تجاوز الحاجز الدموي الدماغي، مع التركيز على إمكانية توصيل

الأدوية مباشرة إلى الدماغ عبر الأنف، باعتباره مسارًا غير جراحي يمكن أن يتجاوز الحاجز الدموي الدماغي

 

الأنف.. طريق مباشر إلى الدماغ

يوفر الأنف مسارًا محتملًا لتوصيل الأدوية إلى الدماغ دون الحاجة إلى الحقن أو التدخلات الجراحية

كما يمكن لهذا المسار تجنب المرور الأول للدواء عبر الكبد، إلا أن التحدي يتمثل في قدرة الأنف الطبيعية

على التخلص من المواد الغريبة بسرعة، إلى جانب وجود إنزيمات قد تؤدي إلى تحليل الدواء قبل امتصاصه

 

وأشار الباحثون إلى أن تقنيات التوصيل الدوائي الحديثة قد تساعد على حماية جزيئات الدواء خلال

وجودها في الأنف، من خلال عدة استراتيجيات، أبرزها استخدام الجسيمات النانوية والحويصلات

خارج الخلوية وبعض الأنظمة الحيوية

 

وتعمل الجسيمات النانوية على توفير غلاف واقٍ للدواء، يساعده على الالتصاق بالمخاط والبقاء لفترة أطول

ثم الوصول إلى الأنسجة المرتبطة بحاسة الشم، بينما يمكن للحويصلات خارج الخلوية الاستفادة من

إشارات الاستهداف الموروثة من الخلايا الأم للوصول إلى أنسجة المخ المصابة أو الملتهبة

 

كما يمكن استخدام أنظمة حية، مثل الخلايا المعدلة وراثيًا وبعض الفيروسات والبكتيريا غير الضارة

لاستشعار الظروف المحلية وإنتاج الأدوية أو إطلاقها في المكان والوقت المناسبين

 

مساران محتملان للوصول إلى الدماغ

يعتمد وصول الأدوية من الأنف إلى الدماغ بشكل أساسي على مسارين عصبيين؛ أولهما المسار الشمي

الذي ينقل المعلومات من الخلايا المستقبلة في بطانة الأنف إلى المناطق الأمامية من الدماغ، بينما يتمثل

المسار الآخر في العصب الثلاثي التوائم، الذي قد يتيح للجزيئات الوصول إلى مناطق أعمق من

الدماغ، بما فيها جذع الدماغ

 

وأظهرت هذه الطريقة نتائج واعدة في التجارب على القوارض، إلا أن الاختلاف التشريحي بين

القوارض والإنسان يمثل أحد أبرز التحديات؛ إذ تغطي الظهارة الشمية نحو 40 إلى 50% من

تجويف الأنف لدى القوارض، مقابل نحو 3 إلى 10% فقط لدى البشر

 

كما أن المخاط والإنزيمات الموجودة في الأنف قد تسرع من التخلص من الدواء وتحليله، ما يقلل

الوقت المتاح لامتصاصه ووصوله إلى الدماغ

 

تقنيات لحماية الدواء وإطالة فترة بقائه

كشفت المراجعة العلمية عن عدد من التقنيات التي تستهدف إبطاء التخلص من الدواء داخل الأنف

من بينها تغليف الجسيمات النانوية بمادة «الكيتوزان»، وهي مادة طبيعية من عديدات السكاريد، يمكن

أن تساعد على التصاق الدواء ببطانة الأنف، وإبقائه لفترة أطول مقارنة بالطرق التقليدية

 

كما يمكن استخدام التغليف الليبوزومي، الذي يعتمد على وضع الأدوية داخل حويصلات صغيرة

شبيهة بالدهون، بما قد يساعد على تحسين استهداف الدماغ وزيادة كمية الدواء التي تصل إليه

 

وتُعد الحويصلات خارج الخلوية، وهي فقاعات بيولوجية دقيقة تطلقها الخلايا بصورة طبيعية للتواصل

فيما بينها، من التقنيات الواعدة أيضًا في مجال توصيل الأدوية. وأظهرت بعض الدراسات أن الحويصلات

المستخلصة من الخلايا الجذعية العصبية يمكن أن تنتشر بسرعة داخل الدماغ بعد توصيلها عبر الأنف

 

كما أظهرت حويصلات مستخلصة من خلايا مناعية قدرة أكبر على استهداف المناطق الملتهبة في الدماغ

وهو ما قد يفتح المجال أمام استخدامها مستقبلًا في علاج بعض الأمراض التنكسية العصبية المرتبطة

بالالتهاب العصبي، مثل مرضي باركنسون وألزهايمر

 

وفي نماذج تجريبية للسكتة الدماغية، تمكنت تركيبات أنفية تحتوي على خلايا جذعية وأدوية من

الوصول إلى أنسجة المخ المتضررة خلال فترة زمنية قصيرة، بما يشير إلى إمكانية الاستفادة من

هذا المسار في دعم الحد من الأضرار وبدء عمليات الإصلاح

 

نتائج واعدة تحتاج إلى مزيد من الدراسات

وأكد الباحثون أن التطورات المتسارعة في علم الأحياء التركيبي وتقنيات النانو أسهمت في تطوير

أنظمة توصيل دوائي ذكية تفتح آفاقًا جديدة لعلاج أمراض الدماغ

 

ومع ذلك، فإن تحويل هذه التقنيات إلى علاجات متاحة للمرضى لا يزال يحتاج إلى مزيد من

الدراسات والتجارب، خاصة فيما يتعلق بانتظام توصيل الدواء، ودقة استهداف المناطق المطلوبة

داخل الدماغ، والسلامة على المدى الطويل، فضلًا عن إمكانية تصنيع هذه الأنظمة على نطاق واسع

 

وتشير النتائج إلى أن توصيل الأدوية من الأنف إلى الدماغ يمثل اتجاهًا بحثيًا واعدًا، لكنه لا يزال في

حاجة إلى إثبات فعاليته وسلامته بشكل كافٍ قبل اعتماده كخيار علاجي واسع الاستخدام



موضوعات مشابهه