الخميس ٢٩ - أكتوبر - ٢٠٢٦ القاهرة
01:33:17pm

زيت زتون لسيف العسيري.. حين ينزف الدم الفلسطيني

الخميس ٢٩ - أكتوبر - ٢٠٢٦

هلال عبد الحميد يكتب

يبدأ فيلم «زيت زتون» للمخرج الشاب سيف العسيري من عنوان مراوغ وكاشف في آنٍ واحد؛ عنوان قد لا

يدرك المشاهد دلالته من اللحظة الأولى، لكنه ما إن يتوغل في عالم الفيلم حتى يكتشف أنه محفور

مسبقًا في الذاكرة الجمعية الفلسطينية.

 

فزيت الزيتون هنا ليس مجرد منتج زراعي، ولا تفصيلة من الفلكلور الفلسطيني تُستدعى للزينة، بل هو

رمز بالغ الكثافة للجذور والانتماء والبقاء. إنه حكاية الأرض التي تُقتلع أشجارها وتُحرق، لكنها تظل قادرة

على الإنبات من جديد، تمامًا كالفكرة الفلسطينية التي لا تموت مهما اشتدت محاولات طمسها.

 

الحمامة والزيت.. مفارقة الصورة المفتاحية

يبني سيف العسيري عالم فيلمه على صورة بصرية لافتة اختارها ملصقًا للعمل: حمامة بيضاء، رمز السلام

والحرية والحياة، تنزف فوق بقعة من زيت الزيتون.

 

هنا تتجلى قوة المفارقة البصرية التي يقوم عليها الفيلم؛ فالبياض الناصع للحمامة يقف في مواجهة

سواد الدم وقتامته، بينما يحضر الزيت، بما يحمله من دلالات الخير والبركة والعطاء، شاهدًا على

الألم والفقد والاستنزاف.

 

إنها معادلة بصرية مكثفة تقول إن الحياة نفسها تنزف فوق أرضها، وإن ما كان رمزًا للخصب والعطاء

أصبح مسرحًا للوجع والموت.

 

ولا تبدو هذه الصورة مجرد اختيار جمالي أو محاولة لاستثارة المشاعر، بل مدخلًا لفهم رؤية الفيلم كلها

فكل عنصر فيه يحمل أكثر من معنى، وكل لقطة تفتح بابًا للتأويل، دون أن تفقد ارتباطها

بالمأساة الفلسطينية.

 

ما وراء الحكاية.. المونتاج بوصفه أداة لبناء المعنى

لا يعتمد العسيري على حكاية تقليدية ذات تسلسل منطقي واضح، بل يختار لغة سينمائية تجريبية تقوم

على المشاهد المتفرقة واللقطات المتباعدة والرموز التي تتجاوز معناها الظاهري.

 

وقد يبدو هذا التفكك، للوهلة الأولى، خروجًا على البناء السردي المعتاد، لكنه في حقيقة الأمر جزء من

رؤية الفيلم؛ إذ يعكس عالمًا ممزقًا ومتشظيًا، تختلط فيه مشاعر الألم بالفقد، وتتشابك فيه الذاكرة مع

المقاومة، والحياة مع الموت.

 

هنا يصبح المونتاج أحد أهم عناصر بناء المعنى، فلا يقتصر دوره على الانتقال بين اللقطات، وإنما يتجاوز

ذلك إلى إقامة علاقات دلالية بين الصور، من خلال التجاور والتناقض والمفارقة.

 

وبين مشهد وآخر، يترك المخرج للمشاهد مساحة للتأمل وإعادة تركيب الدلالات، وكأنه يدعوه إلى أن

يكون شريكًا في اكتشاف المعنى، لا مجرد متلقٍّ لحكاية مكتملة.

 

إننا أمام فيلم لا يروي مأساة الفلسطينيين بالطريقة المعتادة، وإنما يحاول أن يجعلنا نعيش شيئًا من

تشظيها، وأن نرى العالم من خلال صور تحمل آثار الجرح وذاكرة الأرض ووجع الإنسان.

 

السواد والجوع والمفتاح.. تفاصيل تختصر المأساة

من أكثر العناصر دلالة في الفيلم تلك المقاطع التي تتخللها مساحات من السواد القاتم، وكأنها تستحضر

ظلامًا لم يعد خاصًا بالفلسطينيين وحدهم، بل أصبح جزءًا من ذاكرة إنسانية مثقلة بالمآسي والعجز.

 

ويأتي مشهد المسحراتي، الذي يتحول فيه الطبق أو الوعاء الذي يحمله إلى وعاء فارغ، بينما تتطلع إليه

عيون الجوعى بألم، ليقدم صورة موجعة عن الجوع والحرمان. فالمسحراتي، الذي يرتبط في الذاكرة

الشعبية بأجواء رمضان والبهجة والتكافل، يتحول هنا إلى علامة على غياب ما يفترض أن يمنحه الأمل

وعلى قسوة واقع يُترك فيه الجائعون أمام أوعيتهم الفارغة.

 

وفي مشهد آخر، تتسلل إلى الشاشة مساحة شديدة السواد، قبل أن تظهر رقبة فتاة يتدلى منها مفتاح

فلسطيني، ثم تصعد الكاميرا إلى وجهها، حيث تتجسد ملامح الألم في عينيها وملامحها التي تغطيها

الجروح والدماء، بينما ينساب صوتها حزينًا مثقلًا بالبكاء.

 

إن المفتاح هنا ليس مجرد قطعة معدنية تتدلى من الرقبة؛ إنه رمز للبيت الغائب، وللحق الذي لم

يسقط بالتقادم، ولذاكرة العودة التي تتوارثها الأجيال الفلسطينية.

 

أما وجه الفتاة، بما يحمله من جراح ودماء، فيبدو كأنه خريطة صغيرة لوطن كامل أنهكته المأساة

لكنه لم يفقد ذاكرته ولا تمسكه بحقه.

 

وبهذا التكثيف البصري، ينجح الفيلم في تحويل تفاصيل محدودة إلى علامات دلالية واسعة، تختزن

حكايات التهجير والجوع والفقد، وتستدعي ذاكرة ممتدة لعقود من المعاناة.

 

ما وراء الألم.. سؤال التخاذل

لا تقتصر قوة «زيت زتون» على تصوير الألم الفلسطيني واستدعاء مشاعر التعاطف، بل تتجاوز ذلك إلى

طرح سؤال سياسي وأخلاقي أكثر إلحاحًا: ماذا نفعل أمام المأساة، بعد أن استهلكنا كل عبارات التضامن؟

 

فالزيت يحيل إلى الأرض والجذور، والنزيف يستحضر ما تتعرض له من استنزاف يومي، بينما يتحول

الصمت الذي يتخلل بعض المشاهد إلى مساحة للمساءلة، كأن الفيلم يوجه سؤاله مباشرة إلى المشاهد

العربي: أين الفعل من الانتماء المعلن؟ وما قيمة التعاطف إذا ظل حبيس الكلمات والمشاعر؟

 

إن المخرج لا يكتفي بوضعنا أمام صور الألم، بل يدفعنا إلى مواجهة أنفسنا، وإلى التساؤل عن المسافة

الفاصلة بين ما نشعر به وما نستطيع فعله.

 

وهنا يكتسب الفيلم بعدًا يتجاوز حدود الصورة السينمائية، ليصبح محاولة لاستنهاض الضمير الإنساني

والتنبيه إلى أن المأساة لا ينبغي أن تتحول، مع تكرار مشاهدها، إلى خبر عابر أو صورة مألوفة

تفقد قدرتها على التأثير.

 

الموسيقى.. امتداد آخر للدلالة

يأتي توظيف أغنية «تلك قضية» لفريق كايروكي وأمير عيد متسقًا مع المناخ العام للفيلم، إذ لا تبدو الأغنية

مجرد خلفية موسيقية مصاحبة للصورة، ولا تعليقًا مباشرًا عليها، بقدر ما تمثل امتدادًا لدلالاتها.

 

فالموسيقى هنا توسع مساحة المعنى، وتربط المأساة الفلسطينية بسؤال إنساني أرحب يتعلق بازدواجية

المعايير، وبالطريقة التي يُوزن بها الألم الإنساني في عالم لا يتعامل مع جميع الضحايا بالقدر نفسه

من الاهتمام والتعاطف.

 

ومن خلال هذا التداخل بين الصورة والصوت، يضيف الفيلم طبقة جديدة إلى خطابه، فلا يعود الوجع

الفلسطيني شأنًا محليًا أو قضية بعيدة عن المشاهد، بل يصبح اختبارًا لموقف الإنسان من الظلم

ولمدى اتساق القيم التي يعلنها مع المواقف التي يتخذها.

 

هل نجح الرمز في الوصول إلى المعنى؟

يبقى السؤال النقدي الأهم أمام أي تجربة سينمائية رمزية: هل نجح الرمز في الانتقال من الغموض الجمالي

إلى الدلالة العميقة، أم ظل مجرد صورة جميلة تستثير الانفعال دون أن تترك أثرًا يتجاوز لحظتها؟

 

في «زيت زتون»، أرى أن سيف العسيري ينجح إلى حد بعيد في اجتياز هذا الاختبار.

فشجرة الزيتون، بوصفها أحد أبرز رموز الذاكرة والتراث الفلسطيني، لا تظهر في الفيلم كأيقونة فولكلورية

مستهلكة، بل تتحول إلى كائن حي يحمل معنى الأرض والهوية والبقاء، ويختزن في حضوره ما تتعرض

له فلسطين من اقتلاع واستنزاف، وما يتمسك به الفلسطينيون من حق في الحياة والعودة.

 

كما أن تتابع الصور، وتوظيف السواد، والمفتاح الفلسطيني، ووعاء المسحراتي الفارغ، والحمامة النازفة

كلها عناصر تتكامل لتشكّل نسيجًا بصريًا يتجاوز الحكاية المباشرة، ويمنح المشاهد فرصة لقراءة

المأساة من زوايا متعددة.

 

ومع أن هذا الأسلوب التجريبي يترك بعض المعاني مفتوحة أمام التأويل، فإن تلك المساحة لا تبدو عيبًا

في ذاتها، بل تتسق مع طبيعة الفيلم الذي يراهن على الصورة المكثفة، وعلى قدرة المشاهد على الربط

بين الرموز واستكمال ما لا تقوله الكلمات.

 

دقائق قليلة.. ومأساة عقود

نجح المخرج الشاب سيف العسيري في أن يجرجر مشاعرنا برفق ونزق، وأن يأخذنا عبر صور متفرقة

ومشاهد مكثفة إلى قلب المأساة الفلسطينية، دون أن يلجأ إلى الحكاية التقليدية أو الخطاب المباشر

في كل لحظة.

 

وقد خرجت من الفيلم أكثر حساسية تجاه الألم الفلسطيني، وأكثر إيمانًا بأن الفن الحقيقي لا يكتفي

بتحريك المشاعر، وإنما يمكنه أن يوقظ الضمير، ويدفع الإنسان إلى مراجعة مواقفه، وربما يحوّل التعاطف

يومًا ما إلى فعل إنساني حقيقي.

 

والحقيقة أنني لم أشاهد من قبل فيلمًا يحمل هذا القدر من التكثيف الفني، ويستطيع أن يختزل مأساة

ممتدة عبر عقود في دقائق معدودات، من خلال مجموعة من الصور والرموز التي تظل عالقة

بالذاكرة بعد انتهاء العرض.

 

إن «زيت زتون» تجربة تستحق التوقف أمامها، ليس فقط لأنها تتناول القضية الفلسطينية، وإنما لأنها

تحاول التعبير عنها بلغة سينمائية خاصة، تؤمن بأن الصورة قد تقول أحيانًا ما تعجز عنه صفحات

طويلة من الكلام.

 

لذلك أتوقع أن يكون سيف العسيري واحدًا من الأسماء السينمائية المهمة خلال السنوات المقبلة؛ فهو

مخرج يمتلك أدواته، ويعرف كيف يوظف الصورة والمونتاج والموسيقى والرمز لبناء تجربة

ذات ملامح واضحة.

 

وإذا كان هذا الفيلم مؤشرًا إلى ما يمكن أن يقدمه مستقبلًا، فإننا أمام موهبة تستحق المتابعة

ومخرج شاب يملك من الحس الفني والوعي بقيمة الصورة ما يؤهله لخوض تجارب أكثر نضجًا وعمقًا.

 

ففي النهاية، لا يتحدث «زيت زتون» عن الزيت وحده، ولا عن حمامة تنزف، ولا عن فتاة تحمل

مفتاحًا قديمًا؛ إنه يتحدث عن أرض لا تزال تنزف، وعن شعب لم يفقد ذاكرته، وعن إنسانية نأمل

ألا تظل متفرجة إلى الأبد.



موضوعات مشابهه