طفل يختبئ خلف التراب… فأين اختبأت إنسانيتنا؟
الأحد ٢٧ - سبتمبر - ٢٠٢٦
بقلم: د.فريد شوقي المنزلاوي
الكاتب والمفكر والخبير التربوي
هناك صور لا تحتاج إلى كثير من الكلمات كي تؤلم القلب.
صورة طفل فلسطيني صغير يحاول أن يختبئ خلف التراب، بعيدًا عن مركبة عسكرية، ليست مجرد
صورة عابرة تمر أمام أعيننا ثم ننتقل إلى خبر آخر.
وحتى لا نظلم الحقيقة، لا أريد أن أبني حكمًا قاطعًا على تفاصيل الفيديو المتداول من دون تحقق
مستقل وكامل من ملابساته.
لكن الصورة، في حد ذاتها، تفتح سؤالًا أكبر من تفاصيل الواقعة
كيف وصلنا إلى عالم يشعر فيه طفل بأن حفرة صغيرة خلف التراب قد تكون أكثر أمانًا من بيته؟
طفل كان من المفترض أن يحمل حقيبته إلى المدرسة، لا أن يبحث عن مكان يختبئ فيه.
كان من المفترض أن يخاف من الامتحان، لا من صوت المركبات العسكرية.
كان من المفترض أن يحلم بأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو لاعبًا أو فنانًا، لا أن يتعلم منذ طفولته
أين يختبئ عندما يقترب الخطر.
طفل لا ذنب له... الطفل لا يختار الحرب...لا يكتب بياناتها...لا يرسم خرائطها...ولا يقرر متى تبدأ ومتى تنتهي.
ومع ذلك، غالبًا ما يكون الأطفال من أكثر من يدفعون ثمنها.
وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى استمرار تعرض المدنيين في غزة
لمخاطر بالغة، وسط دمار واسع واحتياجات إنسانية كبيرة ونقص في المعدات والإمدادات اللازمة للإنقاذ
والخدمات الأساسية. وفي تقرير صدر في سبتمبر 2026، وثقت الأمم المتحدة مقتل أطفال
وإصابة آخرين، واستمرار وجود عائلات نازحة في ظروف شديدة الصعوبة.
فهل أصبح من الطبيعي أن يكبر الطفل وهو يعرف معنى الخوف قبل أن يعرف معنى الأمان؟
وأين نحن؟
السؤال الذي يؤلمني أكثر ليس فقط:ماذا يحدث في غزة؟
بل:ماذا فعلنا نحن عندما رأينا ما يحدث؟
هل يكفي أن نشاهد صورة طفل خائف، فنكتب تعليقًا غاضبًا، ثم نغلق الهاتف؟
هل تكفي كلمات التضامن إذا لم تتحول إلى عمل إنساني حقيقي؟
أنا لا أتحدث هنا عن الحرب باعتبارها صراعًا سياسيًا فقط... ولا أدعو إلى توسيع دائرة الدم.
أنا أتحدث عن الإنسان... عن طفل يريد أن يعيش... عن جريح يحتاج إلى مستشفى.
عن أم تبحث عن الماء والغذاء لأطفالها... عن أسرة تحتاج إلى مأوى آمن.
عن مدني يريد أن ينام ليلة واحدة دون خوف.
ماذا يمكن للعالم العربي أن يفعل؟
يمكن للدول العربية أن تتحرك بما تملكه من أدوات سياسية ودبلوماسية وإنسانية وإغاثية.
يمكن أن يكون هناك جهد عربي أكثر تنظيمًا لحماية المدنيين... يمكن دعم المستشفيات والقطاع الصحي.
يمكن استقبال الحالات الطبية التي تحتاج إلى علاج عاجل... يمكن توفير الغذاء والمياه والدواء والمأوى.
يمكن دعم الأطفال نفسيًا وتعليميًا.
ويمكن استخدام القوة الدبلوماسية العربية للمطالبة بحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية
واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
وهذا ليس حلمًا بعيدًا؛ فتقرير الأمم المتحدة الأخير أشار بالفعل إلى عمليات إجلاء مرضى عبر معابر
رفح وكرم أبو سالم، وإلى جهود إغاثية وصحية متعددة داخل غزة.
وماذا عن استقبال أهل غزة في الدول العربية؟
هنا يجب أن نفرق بين أمرين مختلفين تمامًا:إنقاذ الإنسان… وتهجير الإنسان.
إذا كان طفل أو جريح أو أسرة مهددة بالخطر وتحتاج إلى علاج أو حماية مؤقتة، فمن حقنا أن نسأل
لماذا لا تكون هناك آليات عربية منظمة لاستقبال الحالات الإنسانية التي تحتاج إلى حماية أو علاج
بصورة مؤقتة وطوعية، وبضمانات واضحة لحقوقهم وكرامتهم وحقهم في العودة؟
لكن هذا الاستقبال يجب ألا يتحول بأي صورة إلى مشروع لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم أو تحويل
النزوح المؤقت إلى تهجير دائم.
فالقانون الدولي الإنساني يحظر النقل القسري للسكان، ويقر في ظروف محددة بإمكانية الإجلاء المؤقت
عندما يكون ضروريًا لحماية المدنيين، مع اشتراطات إنسانية وضرورة عودة الأشخاص إلى أماكن إقامتهم
عندما تزول أسباب الإجلاء. (الصليب الأحمر الدولي
إذن حماية الفلسطيني لا تعني التخلي عن فلسطين.
بل يمكن أن تعني أن ننقذ من يحتاج إلى الإنقاذ، ونعالج من يحتاج إلى العلاج، ونحمي من يحتاج إلى
الحماية، مع الحفاظ على حقه في العودة إلى وطنه.
يا عرب… الطفل لا يملك قرار الحرب
لا تسألوه عن الفصائل... لا تطلبوا منه أن يفهم تعقيدات السياسة الدولية... لا تحملوه مسؤولية قرارات الكبار.
إنه طفل... يريد أن يعيش... يريد أن يعود إلى مدرسته... يريد أن يلعب مع أصدقائه.
يريد أن ينام دون أن يستيقظ مذعورًا على صوت انفجار.
يريد شيئًا بسيطًا جدًا:لأمان.
فهل أصبح الأمان بالنسبة لطفل فلسطيني حلمًا كبيرًا إلى هذه الدرجة؟
الإنسانية ليست موقفًا على مواقع التواصل.. أنا لا أريد عربيًا يكتفي بالغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.
أريد إنسانية تتحول إلى فعل... أريد مستشفيات عربية تفتح أبوابها للجرحى الذين يحتاجون إلى العلاج.
أريد مبادرات عربية لحماية الأطفال... أريد مساعدات تصل إلى مستحقيها.
أريد جهودًا عربية ودولية حقيقية لضمان وصول الغذاء والماء والدواء.
أريد صوتًا عربيًا قويًا في المحافل الدولية يطالب بحماية المدنيين... وأريد أن يبقى الفلسطيني فلسطينيًا.
وأن تبقى غزة لأهلها.
وأن يكون أي استقبال إنساني للمرضى أو الأطفال أو الأسر المحتاجة ملاذًا مؤقتًا للنجاة، لا طريقًا إلى التهجير.
ماذا سنقول لهذا الطفل يومًا؟
ربما يكبر هذا الطفل يومًا ما.
وربما يسأل: أين كان العالم عندما كنت أختبئ خلف التراب؟
ماذا سنقول له؟
هل سنقول إننا كنا نشاهد؟
هل سنقول إننا كنا نكتب منشورات؟
هل سنقول إننا اختلفنا طويلًا حول السياسة بينما كان هو يبحث عن مكان آمن؟
أم سنستطيع أن نقول له:نعم، رأينا خوفك… ولم ننسك.
لأن القضية ليست فقط:ماذا يحدث في غزة؟
بل السؤال الأعمق هو:ماذا فعلت إنسانيتنا عندما رأت طفلًا يختبئ من الحرب؟
ذلك الطفل ربما لا يعرف أسماء الدول العربية... ولا يعرف بيانات المؤتمرات... ولا يفهم خرائط السياسة.
لكنه يعرف شيئًا واحدًا:أنه خائف.
فلنجعل هناك عالمًا عربيًا وإنسانيًا يقول له:لسنا بعيدين عن ألمك… ولسنا مستعدين لأن ننسى أنك
طفل من حقه أن يعيش.
فالإنسانية لا تحتاج إلى جواز سفر…والطفولة لا تعرف الحدود.


