علاج مبتكر يعيد ضبط جهاز المناعة بحقنة واحدة.. كيف يفيد مرضى التصلب المتعدد
الخميس ١٠ - سبتمبر - ٢٠٢٦
في تطور علمي قد يغير مستقبل علاج بعض أمراض المناعة الذاتية، أظهرت تجربة سريرية مبكرة
إمكانية استخدام جرعة وريدية واحدة لإعادة برمجة خلايا مناعية داخل جسم المريض، وتحويلها إلى
خلايا قادرة على استهداف الخلايا المناعية التي تهاجم أنسجة الجسم.
وتعتمد التقنية التجريبية، التي تحمل اسم JY231، على ما يعرف بالعلاج بالخلايا التائية ذات مستقبلات
المستضد الخيمري CAR-T داخل الجسم (in vivo CAR-T)، وتستهدف بشكل أساسي الخلايا
البائية B cells، التي تلعب دورا مهما في عدد من أمراض المناعة الذاتية.
ووفقا لتقرير نشرته مجلة Nature في سبتمبر 2026، شملت التجربة 16 مريضا يعانون أمراضا
مناعية عصبية وعضلية شديدة، من بينها التصلب المتعدد، والوهن العضلي الوبيل، ومرض مرتبط
بالأجسام المضادة لـMOG، بالإضافة إلى التهابات العضلات المناعية، حيث تلقى جميع المشاركين
جرعة واحدة من العلاج، وتمت متابعتهم لنحو 6 أشهر.
كيف تعيد الحقنة برمجة جهاز المناعة؟
تعتمد فكرة العلاج على استخدام ناقل فيروسي معدل وغير مسبب للمرض، يحمل التعليمات الجينية
اللازمة لإعادة برمجة بعض الخلايا التائية T cells داخل الجسم، بحيث تتحول إلى خلايا CAR-T قادرة
على التعرف على الخلايا البائية التي تحمل بروتين CD19 واستهدافها.
وبهذه الطريقة، لا يحتاج المريض إلى استخراج خلاياه المناعية وإرسالها إلى معمل متخصص لإعادة تعديلها
وراثيا ثم إعادتها إلى الجسم، كما يحدث في العلاج التقليدي بخلايا CAR-T.
وبحسب النتائج المنشورة عن التجربة، نجح العلاج في تكوين خلايا CAR-T داخل أجسام جميع المشاركين
ووصلت أعداد هذه الخلايا إلى أعلى مستوياتها بعد نحو 11 يوما من تلقي الجرعة، قبل أن تبدأ في
الانخفاض تدريجيا.
ماذا حدث لجهاز المناعة؟
استهدفت الخلايا المناعية المعدلة الخلايا البائية الموجودة في الجسم، وهي خلايا يمكن أن تنتج
الأجسام المضادة الذاتية التي تهاجم أنسجة الجسم وتساهم في الإصابة بأمراض المناعة الذاتية.
وأظهرت المتابعة انخفاضا مؤقتا في أعداد الخلايا البائية، قبل أن تبدأ خلايا بائية جديدة في الظهور بعد
أكثر من شهرين، وكانت مختلفة عن الخلايا الموجودة قبل العلاج، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرا على
حدوث نوع من إعادة ضبط الجهاز المناعي.
كما شهد المرضى تحسنا في عدد من المؤشرات السريرية، حيث أظهر مرضى التصلب المتعدد تحسنا
في بعض الوظائف الحركية والإدراكية وانخفاضا في الشعور بالإرهاق، بينما ظهرت تحسنات في قوة
العضلات وانخفاض مستويات الالتهاب لدى بعض المشاركين المصابين بأمراض مناعية أخرى.
هل يمكن علاج المرض بحقنة واحدة؟
رغم النتائج اللافتة التي أظهرتها التجربة، يؤكد الباحثون أن الحديث لا يزال عن تجربة سريرية مبكرة للغاية
ولا يمكن اعتبار هذه الحقنة علاجا نهائيا أو دليلا على إمكانية تحقيق شفاء دائم من أمراض المناعة الذاتية.
وأوضحت مجلة Nature أن الدراسة كانت صغيرة وشملت 16 مريضا فقط، كما يعتبر الباحثون النتائج
إشارة أولية واعدة، لكنها لا تمثل دليلا نهائيا على فعالية العلاج أو قدرته على إعادة الجهاز المناعي
إلى طبيعته بصورة دائمة.
ولا تزال هناك حاجة إلى إجراء تجارب سريرية أكبر، وعشوائية، مع فترات متابعة أطول، لتحديد مدى
فعالية العلاج وأمانه على المدى البعيد.
ماذا عن الآثار الجانبية؟
لم تخل التجربة من الآثار الجانبية، حيث ظهرت لدى بعض المرضى استجابة التهابية تعرف باسم
متلازمة إطلاق السيتوكينات، إلا أنها كانت قصيرة المدى في معظم الحالات.
وبحسب تقرير نشره موقع Medical Xpress حول نتائج الدراسة، ظهرت هذه الاستجابة لدى
نحو 69% من المشاركين، لكنها اختفت خلال أسبوعين تقريبا، كما سجلت بعض الحالات انخفاضا
في أعداد خلايا الدم البيضاء قبل أن تعود إلى مستوياتها الطبيعية.
لماذا تختلف هذه التقنية عن CAR-T التقليدي؟
يتطلب العلاج التقليدي بخلايا CAR-T عادة جمع خلايا T من دم المريض، ثم إرسالها إلى منشأة
متخصصة لإعادة هندستها وراثيا، قبل إعادتها إلى جسم المريض بعد خضوعه لتجهيزات علاجية معينة.
أما تقنية in vivo CAR-T، فتحاول تنفيذ عملية إعادة البرمجة داخل جسم المريض نفسه، وهو ما
قد يجعل العلاج في المستقبل أسرع وأقل تعقيدا وأقل تكلفة، إذا أثبتت الدراسات الأكبر فعاليته وأمانه.
ويرى الباحثون أن هذا النهج العلاجي قد يفتح الباب أمام استخدام العلاج المناعي الموجه في
مواجهة أمراض المناعة الذاتية التي يصعب السيطرة عليها باستخدام العلاجات التقليدية، إلا أن
إثبات ذلك يتطلب مزيدا من الدراسات والتجارب السريرية.


