الإثنين ٠٥ - أكتوبر - ٢٠٢٦ القاهرة
12:57:22am

الخشت: المشكلة ليست في الدين.. بل في تأليه الاختيار البشري حين يتكلم باسم الله

الإثنين ٠٥ - أكتوبر - ٢٠٢٦

طرح الدكتور محمد عثمان الخشت، عضو المجلس العلمي الأعلى بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

ورئيس جامعة القاهرة السابق، تصورًا فلسفيًا وسياسيًا بعنوان «دولة المشترك والمختلف الإنساني»

باعتباره طريقًا ثالثًا يتجاوز الصيغ الإقصائية لكل من الأصولية السياسية والعلمانية الصلبة، ويؤسس الدولة

على العدل والحقوق المتساوية، مع حماية الاختلاف الديني والفلسفي والثقافي.

 

جاء ذلك خلال مشاركة الخشت في المؤتمر الدولي الأول لدراسات الأديان، الذي عُقد بعنوان

«الدين والمشترك الإنساني: مقاربات معاصرة في اللاهوت والدراسات الدينية»، ونظمته جامعة

محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بالتعاون مع جامعتي بادوفا وبيمونتي الشرقية في إيطاليا.

 

وتعد جامعة بادوفا، التي تأسست عام 1222، واحدة من أقدم وأعرق الجامعات الأوروبية، وارتبط تاريخها

بعدد من أبرز الأسماء في تاريخ العلم والفكر، من بينهم جاليليو جاليلي.

 

وعُقد المؤتمر بدعم من الدكتور عمر حبتور الدرعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف

والزكاة ورئيس مجلس أمناء جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، وإشراف الدكتور خليفة مبارك الظاهري

مدير الجامعة، والدكتورة دانييلا مابيلي، رئيسة جامعة بادوفا، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين

من أوروبا والعالم العربي وأمريكا الشمالية، من بينهم فضيلة مفتي الديار المصرية الدكتور نظير عياد.

 

وقدم الدكتور محمد الخشت، خلال الجلسة العلمية الأولى التي حملت عنوان

«الفلسفة ونظرية المعرفة في دراسة الأديان»، ورقة بحثية بعنوان

«ما بعد العلمانية والأصولية: نحو دولة للمشترك والمختلف الإنساني».

 

وانطلق الخشت في ورقته من التمييز بين «سؤال العقيدة»، المرتبط بما يعتقده الإنسان حقًا ويبني عليه

رؤيته للحياة، و«سؤال العدل»، الذي يتعلق بكيفية تنظيم العيش المشترك بين المختلفين دون ظلم أو قهر أو تمييز.

 

وأكد أن اختلاف المواطنين في العقائد والأيديولوجيات لا يحول دون اتفاقهم على حقوق متساوية

مشددًا على أن وظيفة الدولة تتمثل في إقامة العدل وحماية الحقوق، بحيث يكون الإنسان مواطنًا كامل

الحقوق دون أن يضطر إلى التخلي عن معتقده أو فرضه على غيره.

 

وانتقد الخشت الأصولية السياسية عندما تجعل تفسيرًا بشريًا للدين أساسًا للشرعية، موضحًا أن الإشكال

في مفهوم «الحاكمية» يظهر عندما يتحول الاجتهاد البشري المحدود إلى تعبير حصري عن حكم الله

بما يؤدي إلى تضييق مساحة الاختلاف وتحويل الاعتراض السياسي إلى اعتراض على المقدس.

 

وأكد أن موضع النقد ليس الدين، وإنما «تأليه الاختيار البشري حين يتكلم باسم الدين».

وأوضح أن تعبير «ما بعد الأصولية والعلمانية» لا يعني انتهاء الظاهرتين أو التوفيق بينهما، وإنما تجاوز

منطق الاحتكار لدى كل منهما، وصولًا إلى بناء دولة تقوم على المشترك وتحمي المختلف فيه.

 

واقترح الخشت الانتقال من مجرد «التسامح» إلى «التعارف»، مستندًا إلى قوله تعالى

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، موضحًا أن التسامح يقبل وجود المختلف، والاعتراف يقر بمساواته

بينما يضيف التعارف احترامه ومحاولة فهمه من داخل عالمه ومرجعيته.

 

كما ميز بين الأخلاق المشتركة التي تحمي العدل والحقوق، والتصورات الأخلاقية الخاصة المرتبطة بفرقة

أو طائفة، مؤكدًا أن التصورات الخاصة لا ينبغي أن تتحول تلقائيًا إلى إلزام قانوني عام.

 

وقدم الخشت تصور «دولة المشترك والمختلف الإنساني» في ثلاثة مستويات، أولها «المشترك الملزم»

الذي يحمي الحقوق الأساسية ويمنع الظلم والتمييز، وثانيها «المختلف الجماعي المحمي»، الذي يصون

حق الملل في تقاليدها وشعائرها دون قهر أفرادها، وثالثها «المجال الفردي الحر»، الذي تكون فيه

الحرية هي الأصل، ولا تقيد إلا لدفع الضرر عن الغير أو لتحقيق مصلحة عامة معتبرة.

 

وأشار إلى وجود جذور مبكرة لفكرة المشترك الإنساني في التراث الإسلامي، مستشهدًا بأبي الحسن العامري

وما طرحه من مقاصد كبرى مشتركة بين الأديان، ثم تطور هذا البناء لدى الجويني والغزالي

والعز بن عبد السلام والشاطبي وابن عاشور، إلى جانب دلالات قوله تعالى

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فضلًا عن صحيفة المدينة باعتبارها نموذجًا لتنظيم التعدد.

 

وأكد الخشت أن ترسيخ هذه الفكرة يحتاج إلى مؤسسات تحميها، من خلال دستور يقرر الحقوق دون أن

يحسم الخلافات الدينية والفلسفية، وقانون عام يسري على الجميع، وقضاء مستقل يحمي الحقوق

ويراقب حدود السلطة.

 

واختتم الدكتور محمد الخشت طرحه بالتأكيد على أن «دولة المشترك والمختلف الإنساني» ليست دولة

أصولية تفرض مرجعية بعينها، ولا دولة علمانية تجعل إقصاء الدين شرطًا للمواطنة، وإنما هي دولة

«تجعل العدل أساس المشترك، والحرية ضمانًا للمختلف فيه»

مضيفًا:«ليس المطلوب أن نصبح متشابهين في كل شيء لكي نعيش معًا في سلام.. ذلك هو الطريق الثالث».



موضوعات مشابهه