الطالب ليس ورقة تُنقل من جامعة إلى أخرى.. ومستقبل أبنائنا لا يحتمل القرارات المفاجئة
الإثنين ٠٥ - أكتوبر - ٢٠٢٦
بقلم د. فريد شوقي المنزلاوي
الكاتب والمفكر والخبير التربوي
حاصل على دكتوراه في التربية – تخصص المناهج وطرق التدريس
(له العديد من الأبحاث العلمية والمؤلفات)
ومن مؤلفاته: «الكنز المفقود» وتطوير التعليم في مصر
حين يختار ولي الأمر جامعة لابنه أو ابنته، فإنه لا يختار مجرد اسم في استمارة التحاق، وإنما يختار
مكانًا سيبني عليه أسرة كاملة ترتيباتها المعيشية والنفسية والمالية.
يحجز السكن، ويدفع الإيجار، ويرتب الانتقال، ويضع ميزانية الدراسة، ويطمئن إلى أن ابنه أو ابنته بدأ
رحلة جامعية مستقرة يمكن البناء عليها لسنوات.
لكن ماذا يحدث عندما تأتي المفاجأة بعد بدء الدراسة؟
وماذا يحدث عندما يُطلب من الطالب أن ينتقل إلى جامعة أخرى وفي محافظة أخرى، بينما استقرت
الأسرة بالفعل على مكان دراسته وسكنه وحياته اليومية؟
هنا لا يصبح الأمر مجرد إجراء إداري... هنا نحن أمام مستقبل طالب وأسرة كاملة.
وقد أثارت أزمة طلاب كلية طب الأسنان بجامعة جنوب الوادي الأهلية حالة من القلق بين الطلاب
وأولياء الأمور، في ظل ما أثير بشأن نقل عدد من الطلاب إلى جامعات أهلية أخرى بعد بدء الدراسة
وسداد المصروفات، وهو الأمر الذي وصل إلى مجلس النواب من خلال طلب إحاطة بشأن الأزمة.
ومن هنا أرى أن القضية تحتاج إلى الهدوء، ولكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الوضوح الكامل.
القرار الإداري يجب أن يصاحبه قرار إنساني
قد تكون لدى وزارة التعليم العالي أسباب أكاديمية أو تنظيمية أو قانونية وراء أي قرار يتعلق بإعادة
توزيع الطلاب أو نقلهم.
وقد تكون هناك اعتبارات تتعلق بالطاقة الاستيعابية أو جودة العملية التعليمية.
وهذا أمر يمكن تفهمه إذا تم شرحه بوضوح... لكن مسؤولية الوزارة لا تتوقف عند إصدار القرار.
المسؤولية الحقيقية تبدأ من لحظة معرفة المواطن بكيفية تنفيذ القرار وتأثيره عليه.
فإذا كان نقل الطلاب ضروريًا، فمن حق الطالب وولي الأمر أن يعرف:لماذا صدر القرار؟
ولماذا صدر في هذا التوقيت؟
ولماذا بعد بدء الدراسة؟
وكيف سيتم تعويض الطالب عن المحاضرات أو التدريبات التي فاتته؟
وماذا عن السكن الذي تم دفع إيجاره؟
وماذا عن الالتزامات المالية التي ترتبت على اختيار الجامعة؟
وهل الجامعات التي سيتم النقل إليها مستعدة بالفعل لاستقبال الطلاب دون أن يتأثر مسارهم الأكاديمي؟
هذه ليست أسئلة اعتراض من أجل الاعتراض.
هذه أسئلة طبيعية جدًا من أسرة دفعت أموالًا، ورتبت حياتها، ووضعت مستقبل ابنها أمام عينيها.
الطالب ليس رقمًا في كشف.. الطالب ليس رقمًا في قاعدة بيانات.
وليس ملفًا يمكن نقله من جامعة إلى أخرى دون أن تكون هناك آثار لهذا النقل.
الطالب إنسان له ظروفه... وله أسرة... وله سكن... وله التزامات... وله زملاء بدأ معهم الدراسة.
وله خطة دراسية كان يستعد لها... والأهم من ذلك كله أن له مستقبلًا لا يحتمل الارتباك.
إننا نتحدث عن التعليم الجامعي، وبالأخص عن كليات تحتاج إلى انتظام أكاديمي وتدريب عملي
مثل طب الأسنان وغيرها من التخصصات الطبية.
ولهذا فإن أي تغيير في المسار الدراسي يحتاج إلى تخطيط دقيق للغاية، حتى لا يدفع الطالب ثمن
مشكلة إدارية لم يكن طرفًا فيها.
نريد الحقيقة.. لا نريد صدامًا.. أنا لا أطالب بمواجهة بين أولياء الأمور ووزارة التعليم العالي
ولا أعتقد أن التصعيد هو الحل.
ولا أرى أن انتقاد قرار إداري يعني مهاجمة الدولة أو مؤسساتها... على العكس تمامًا.
المؤسسات القوية هي التي تسمع المواطن، وتشرح قراراتها، وتراجع آثارها، وتصحح المسار عندما
يكون ذلك ضروريًا.
ومن هنا فإن المطلوب الآن ليس سوى شيء واحد:الشفافية.
نريد بيانًا رسميًا واضحًا يشرح حقيقة ما حدث.
نريد أن يعرف الطلاب وأولياء الأمور الأسباب الحقيقية وراء النقل... نريد أن نعرف آلية التنفيذ.
نريد أن نعرف كيف سيتم الحفاظ على حقوق الطلاب الأكاديمية والمالية.
ونريد أن نطمئن إلى أن أي طالب لن يفقد جزءًا من عامه الدراسي بسبب انتقال لم يكن هو من طلبه.
لا يكفي أن ننقل الطالب.. يجب أن نحمي مستقبله
إذا كان النقل هو الحل الضروري بالفعل، فلابد أن تكون هناك خطة انتقال واضحة.
خطة تراعي الفروق بين الجامعات... وتراعي المقررات الدراسية.
وتراعي انتظام الطلاب... وتراعي ظروف السكن والانتقال.
وتضع حلولًا حقيقية للأعباء المالية التي قد تتحملها الأسر.
فالقول للطالب: «انتقل إلى جامعة أخرى» ليس حلًا كاملًا في حد ذاته.
الحل الحقيقي هو أن نقول له
سننقلك، وسنضمن ألا يضيع عليك حق أكاديمي أو مالي، وسنضمن أن تكمل دراستك دون أن تدفع ثمنًا
لقرار لم تكن طرفًا فيه.
هنا فقط يشعر الطالب أن الدولة تقف إلى جانبه.
رسالة إلى وزارة التعليم العالي
معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي... أولياء الأمور لا يطلبون المستحيل.
هم يريدون فقط أن يعرفوا الحقيقة... والطلاب لا يريدون امتيازات خاصة.
هم يريدون أن يكملوا دراستهم في هدوء واستقرار.
وأعتقد أن إصدار توضيح رسمي شامل سيكون أفضل كثيرًا من ترك المواطنين أمام الاتصالات الهاتفية
أو المعلومات المتداولة أو الاجتهادات المختلفة.
التوضيح لا يضعف القرار.. بل يقويه... والحوار مع أولياء الأمور لا يعني التراجع عن هيبة الوزارة.
بل يعني أن الوزارة حريصة على أن تصل قراراتها إلى المواطن بصورة واضحة وعادلة وإنسانية.
رسالة إلى أولياء الأمور والطلاب.
وفي المقابل، أقول لأولياء الأمور والطلاب
طالبوا بحقوقكم، واسألوا عن تفاصيل القرار، واطلبوا التوضيح الرسمي، وتمسكوا بالقنوات القانونية
والمؤسسية، ولكن لا تجعلوا القلق يتحول إلى صدام.
فنحن جميعًا نريد شيئًا واحدًا:أن يحصل أبناؤنا على تعليم جيد ومستقر وآمن.
التعليم ليس مجرد مبانٍ وجداول
لقد توسعت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية في إنشاء الجامعات الأهلية، وأصبحت هناك جامعات
أهلية في محافظات عديدة، وهو توجه يستهدف توسيع فرص التعليم العالي وتوفير برامج تعليمية حديثة.
وهذا جهد يستحق التقدير.
لكن نجاح تجربة الجامعات الأهلية لا يقاس فقط بعدد الجامعات التي تم إنشاؤها.
إنما يقاس أيضًا بمدى قدرة هذه الجامعات على توفير الاستقرار والشفافية وجودة الإدارة.
فالجامعة ليست مبنى... والتعليم ليس محاضرات فقط... والطالب ليس ملفًا إداريًا.
الجامعة بيت الطالب الثاني، ومستقبله أمانة في يد من يديرون العملية التعليمية.
وفي النهاية..انتقاد القرار لا يعني مهاجمة الدولة.
وطرح الأسئلة لا يعني رفض مؤسسات الدولة... والمطالبة بالتوضيح ليست اعتراضًا من أجل الاعتراض.
بل هي حق طبيعي عندما يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا... نحن نريد وزارة قوية... وجامعات قوية.
وقرارات مدروسة.
ونريد في الوقت نفسه أن يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن شكواه محل اهتمام، وأن القرارات
التي تمس مستقبل أبنائه تُشرح له بشفافية ومسؤولية.
فالقرارات الكبيرة تحتاج إلى دراسة كبيرة..والقرارات التي تمس مستقبل الطلاب تحتاج قبل ذلك إلى قلب
يشعر بمعاناة الأسرة.
رسالتي اليوم ليست ضد أحد... بل هي من أجل الطالب... ومن أجل الأسرة المصرية.
ومن أجل أن يظل التعليم المصري عنوانًا للثقة والانضباط والعدالة.
فالطالب المصري ليس ورقة تُنقل من جامعة إلى أخرى... بل هو إنسان نبني به مستقبل مصر.


