الأحد ٢٧ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
12:45:19am

المعلم ليس حلاً مؤقتًا.. آن الأوان لسياسة أكثر استقرارًا في التعليم

الأحد ٢٧ - سبتمبر - ٢٠٢٦

بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي

الكاتب والمفكر والخبير التربوي 

لا يمكن أن نبني تعليمًا قويًا بمعلم يشعر أن مستقبله المهني مؤقت، أو أن وجوده داخل المدرسة

مرتبط بعقد موسمي، أو مكافأة، أو عدد من الحصص.

 

ومن هنا يأتي حديثي اليوم عن معلمي الحصة، والعقود المؤقتة، والمكافآت، ومعلمي التطوع

ليس بهدف الهجوم على وزارة التربية والتعليم أو شخص الوزير، وإنما من باب النقد البناء، والحرص

على مستقبل التعليم في مصر.

 

والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق هو

هل نستطيع أن نطلب من المعلم أن يبني أجيالًا، بينما لا نمنحه نحن شعورًا كافيًا بالأمان والاستقرار؟

 

المعلم ليس «سد خانة»

عندما تعاني مدرسة من عجز في أعداد المعلمين، فمن الطبيعي أن تبحث الوزارة عن حلول عاجلة

سواء من خلال معلمي الحصة أو العقود المؤقتة أو غيرها من الآليات.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحل المؤقت إلى واقع دائم.

المعلم الذي يدخل الفصل كل صباح، ويشرح المنهج، ويتابع الطلاب، ويصحح أعمالهم، ويتحمل

مسؤولية تربوية وتعليمية كاملة، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد شخص جاء لسد عجز مؤقت.

 

إذا كان يؤدي عملًا حقيقيًا ومستمرًا داخل المدرسة، فمن حق الدولة أن تضع له مسارًا مهنيًا واضحًا

وفقًا للقانون والاحتياج والكفاءة.

 

ماذا بعد العقد؟

هذا هو السؤال الذي يشغل آلاف المعلمين.

 

ماذا بعد العقد؟

ومعلم الحصة يريد أن يعرف: هل هناك مستقبل وظيفي واضح لمن أثبت كفاءته؟

والمعلم المتطوع يريد أن يعرف: هل الخبرة التي اكتسبها داخل المدرسة ستكون لها قيمة عند فتح

أبواب التعيين؟

هذه الأسئلة ليست رفاهية، وإنما جزء أساسي من إدارة الموارد البشرية في أهم مؤسسة تصنع مستقبل الدولة.

لا نحتاج فقط إلى «معلم موجود».. بل إلى معلم مستقر. 

التعليم ليس مجرد دخول المعلم إلى الفصل وانتهاء الحصة.

 

المعلم يحتاج إلى وقت للتحضير، والتقويم، ومتابعة الطلاب، والتواصل مع المدرسة والأسرة، والتطوير

المهني المستمر.

 

ولهذا فإن الاعتماد المتكرر على الحلول المؤقتة قد ينجح في سد العجز العددي، لكنه لا يحل بالضرورة

مشكلة الاستقرار المهني للمعلم.

 

ومن هنا، فإن ملف المعلمين يحتاج إلى رؤية طويلة المدى تقوم على عدة محاور

* حصر العجز الحقيقي في كل محافظة وتخصص.

* وضع مسار واضح للانتقال من العمل المؤقت إلى الاستقرار الوظيفي وفق القانون.

* إعطاء أولوية للمعلمين الذين اكتسبوا خبرة فعلية داخل المدارس عند توافر شروط التعيين.

* ربط الاختيار بالكفاءة والتخصص والاحتياج الحقيقي.

* تحسين المقابل المادي بما يتناسب مع حجم العمل والمسؤولية.

* توفير تدريب مهني مستمر.

* تقليل الاعتماد على الحلول المؤقتة كلما أمكن.

 

ولا يعني ذلك أن يتم تعيين كل من عمل بنظام مؤقت بصورة تلقائية؛ فالتعيين يجب أن يخضع للقانون

والاحتياج والكفاءة والموارد المتاحة.

 

لكن المطلوب هو مسار عادل وواضح وشفاف يعرف من خلاله المعلم كيف يستطيع الانتقال من العمل

المؤقت إلى الاستقرار الوظيفي.

 

المعلم هو الاستثمار الحقيقي

من السهل أن نتحدث عن تطوير المناهج، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية التكنولوجية.

لكن في النهاية، كل هذه الأدوات تحتاج إلى إنسان قادر على استخدامها داخل الفصل.

المعلم هو الذي يحول المنهج من صفحات إلى معرفة.

وهو الذي يحول التكنولوجيا من جهاز إلى أداة تعلم.

 

وهو الذي يكتشف الطالب الموهوب، ويساند الطالب المتعثر، ويغرس القيم قبل أن يشرح المعلومات.

ولهذا فإن الاستثمار في المعلم ليس عبئًا على الدولة، بل هو استثمار مباشر في مستقبل مصر.

 

رسالة إلى وزير التربية والتعليم

السيد وزير التربية والتعليم… نعلم أن إدارة منظومة تضم ملايين الطلاب وأعدادًا ضخمة من العاملين

ليست مهمة سهلة، ونعلم كذلك أن مشكلة عجز المعلمين ليست وليدة اليوم.

لكن النقد ليس خصومة، والاختلاف ليس هدمًا.

ومن هذا المنطلق، فإنني أتمنى أن يكون ملف المعلم في قلب إصلاح التعليم.

 

نريد أن نرى خطة واضحة ومتدرجة تجعل المدرسة المصرية تعتمد، قدر الإمكان، على معلمين مستقرين

مهنيًا، مؤهلين، ومدربين، ويحصلون على مقابل عادل لما يقدمونه من عمل.

 

أما العقود الموسمية، ومعلمو الحصة، والمكافآت، والتطوع، فيجب ألا تتحول إلى بديل دائم عن

بناء قوة تعليمية مستقرة.

 

وأقولها بوضوح: لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يبني مستقبل مصر بعقد مؤقت فقط.

نحتاج إلى أن يشعر المعلم أن الدولة تراه، وتقدر دوره، وتمنحه طريقًا واضحًا للتطور والاستقرار

وفق القانون والإمكانات المتاحة.

 

فإذا أردنا إصلاح التعليم، فعلينا ألا نسأل فقط:كم فصلًا تم تشغيله؟

بل يجب أن نسأل أيضًا:كم معلمًا أصبح أكثر استقرارًا؟

وكم معلمًا حصل على تدريب أفضل؟

وكم معلمًا أصبح قادرًا على تقديم تعليم أفضل؟

 

لأن إصلاح التعليم يبدأ من الفصل…وإصلاح الفصل يبدأ من المعلم.

 

 



موضوعات مشابهه