حين تتحول المناهج إلى رسالة إنسانية… نبدأ في صناعة جيل يعرف قيمة الوطن
الجمعة ١١ - سبتمبر - ٢٠٢٦
بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي
الكاتب والمفكر والخبير التربوي
ليست قيمة التعليم في عدد الصفحات التي يحفظها الطالب، ولا في حجم المعلومات التي يختزنها
وإنما في الإنسان الذي نصنعه من خلال التعليم.
فالمدرسة الحقيقية لا تملأ العقول بالمعلومات فقط، وإنما تزرع فيها الوعي، وتبني الشخصية، وتصنع إنسانًا
يعرف معنى الوطن، ويدرك قيمة التضحية، ويحترم الحق، وينحاز إلى الكرامة والإنسانية.
ومن هذا المنطلق، فإن ما تم تداوله بشأن إدراج صورة جمال الدرة، والد الطفل الشهيد محمد الدرة
ضمن المناهج الدراسية المصرية يحمل رسالة تتجاوز حدود المنهج الدراسي؛ إنها رسالة إلى جيل جديد
بأن هناك أحداثًا لا ينبغي أن تُنسى، وقضايا إنسانية لا تسقط من ذاكرة الشعوب.
حين يرى أبناؤنا داخل كتبهم المدرسية صورًا وقصصًا من واقع التاريخ، فإننا لا نمنحهم معلومة فقط
بل نمنحهم ذاكرة ووعيًا وبوصلة أخلاقية.
نعلّمهم أن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط، وأن الوقوف إلى جانب الحق قيمة، وأن احترام كرامة الإنسان
ليس له جنسية أو حدود.
وهنا تكمن عظمة التربية
أن نُخرج طالبًا لا يسأل فقط: ماذا سأحفظ؟
بل يسأل: ماذا فهمت؟ ماذا تعلمت؟ وما الذي يمكنني أن أقدمه لوطني وللإنسانية؟
إن مصر لا تحتاج فقط إلى أجيال متفوقة في الامتحانات، وإنما تحتاج إلى أجيال متفوقة في الوعي
قوية في الشخصية، واثقة في نفسها، معتزة بوطنها، وقادرة على تحمل المسؤولية.
نحتاج إلى طالب يعرف تاريخ بلاده، ويفهم قضايا أمته، ويحترم الاختلاف، ويؤمن بالعمل، ويعرف أن
المستقبل لا يُمنح لمن ينتظره، وإنما يُصنع بأيدي من يمتلكون العلم والإرادة والشجاعة.
وهذه هي الرسالة التي يجب أن يحملها التعليم المصري
أن نصنع إنسانًا قويًا بعلمه، عزيزًا بأخلاقه، ثابتًا في مواقفه، واعيًا بحقوقه وواجباته، ومؤمنًا بأن وطنه
يستحق منه أفضل ما لديه.
إن غرس القيم في وجدان الطفل اليوم، يعني أننا نحمي وطنًا كاملًا في الغد.
وكل صورة تحمل معنى، وكل قصة تحمل درسًا، وكل قيمة نزرعها في عقل طفل، قد تتحول بعد
سنوات إلى موقف لرجل، أو قرار لقائد، أو إنجاز لعالم، أو تضحية لجندي، أو كلمة حق يقولها إنسان
في وقت يحتاج فيه الوطن إلى أصحاب المواقف.
فالأوطان لا تُبنى بالخرسانة وحدها… وإنما تُبنى بالعقول... ولا تحميها القوة وحدها… وإنما يحميها الوعي.
ولا يصنع مستقبلها المال وحده… وإنما يصنعه الإنسان.
ومن هنا، فإن تطوير المناهج يجب ألا يكون مجرد تغيير في المحتوى، بل يجب أن يكون مشروعًا
لصناعة الإنسان المصري القادر على أن يحمل راية وطنه بثقة وفخر.
تحية لكل يد تعمل من أجل تعليم يبني العقل والضمير معًا، ولكل معلم يدرك أن كلمته قد تصنع
مستقبل طالب، ولكل أسرة تؤمن أن تربية الأبناء ليست مسؤولية اليوم فقط، وإنما أمانة تجاه المستقبل.
وتبقى فلسطين حاضرة في الوجدان المصري والعربي؛ بما تحمله قضيتها من معانٍ إنسانية وتاريخية
وبما تذكرنا به دائمًا من أن الكرامة والحرية والحق قيم لا ينبغي أن تموت من ذاكرة الأجيال.
فلنعلّم أبناءنا أن يرفعوا رؤوسهم بالعلم، وأن يعتزوا بوطنهم، وأن يحترموا الإنسان، وأن يؤمنوا بأنهم
قادرون على صناعة مستقبل أفضل.
فحين ننجح في بناء الإنسان… نكون قد بدأنا بالفعل في بناء المستقبل.


