إنتاج التوافق واستدامته.. زيارة رئيسة سلوفينيا للجامعة العربية تكشف أبعاد التحرك الدبلوماسي العربي دوليا
الثلاثاء ٠٣ - نوفمبر - ٢٠٢٦
تمثل زيارة ناتاشا بيرتس موسار، رئيسة جمهورية سلوفينيا، إلى مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية
محطة مهمة في مسار التحركات الدبلوماسية الرامية إلى توسيع نطاق التوافق الدولي حول القضايا العربية
وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، خاصة أنها تأتي بعد أيام قليلة من زيارة أنطونيو جوتيريش
الأمين العام للأمم المتحدة، ولقائه نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية.
وتعكس هذه التحركات توجهًا نحو تعزيز العمل العربي الجماعي، وحشد المواقف الدولية الداعمة للقضايا
العربية، بما يتجاوز الإطار الإقليمي إلى دوائر دولية أوسع، مستندًا إلى مرجعية الشرعية الدولية، وفي
مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
القضية الفلسطينية في صدارة التحرك العربي والدولي
تحافظ القضية الفلسطينية على مركزيتها في العمل العربي المشترك، وهو ما انعكس في حرص نبيل فهمي
على استهلال ولايته بلقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس في العاصمة الأردنية عمان، ثم استقباله بمقر
الأمانة العامة للجامعة بعد ذلك بأسابيع قليلة.
ولا يقتصر الأمر على التأكيد التقليدي لمركزية فلسطين باعتبارها القضية العربية الرئيسية، بل يمتد إلى
تطوير آليات التحرك الدبلوماسي، من خلال تحويل التوافق العربي إلى نقطة انطلاق لبناء مواقف دولية
أوسع، تقوم على احترام الشرعية الدولية وتنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة
وعاصمتها القدس الشرقية.
وقد تجلى ذلك خلال المباحثات التي جمعت الأمين العام للجامعة العربية بالرئيسة السلوفينية، حيث شدد
فهمي على أهمية تكثيف الجهود الدولية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، وتنفيذ حل الدولتين
وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها
القدس الشرقية، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية.
وحذر الأمين العام من أن استمرار التوسع الاستيطاني ومخططات الضم والإجراءات الإسرائيلية الأحادية
يقوض فرص تحقيق السلام، ويهدد إمكانية التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة.
التوافق العربي مدخل لتوسيع دوائر الالتزام الدولي
يمر بناء التوافق الدولي حول القضية الفلسطينية عبر مجموعة من المسارات المتكاملة، يأتي في مقدمتها
تثبيت المرجعية الإقليمية وتعزيز الثوابت المرتبطة بالقضية، سواء في الإطار العربي أو من خلال التعاون مع
التنظيمات الإقليمية الأخرى، بما يسمح بتوسيع نطاق المواقف المشتركة، دون أن تحول الاختلافات بين الدول
دون التعاون في الملفات التي تتلاقى بشأنها مصالحها ومواقفها.
ويتوازى ذلك مع التحرك على المستوى الدولي، من خلال الأمم المتحدة وربط التوافق الإقليمي بالآليات
الدولية القادرة على دعمه، ثم توسيع دوائر الالتقاء مع الدول والتكتلات الدولية حول المبادئ التي أرستها
الشرعية الدولية، بما يحول المواقف السياسية المعلنة إلى مسار مستمر لتوسيع نطاق الالتزام بها.
ولا تتوقف أهمية هذا التوافق عند حدود تأييد المبادئ العامة، وإنما تمتد إلى ترجمتها إلى مواقف وتحركات
تتعامل مع التطورات الميدانية والسياسية، وهو ما انعكس في تأكيد نبيل فهمي، خلال اللقاء، ضرورة تثبيت
وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بصورة كافية ومستدامة ودون عوائق
ورفض تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين الالتزام بحل الدولتين والحفاظ على
المقومات السياسية والجغرافية اللازمة لتحقيقه، بما يجعل استدامة التوافق مرهونة بالقدرة على
مواصلة التنسيق بشأن الإجراءات التي قد تقوض فرص التسوية، وليس فقط إعلان التأييد
للمبادئ التي تقوم عليها.
الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي.. مسارات جديدة للتعاون
ولا تقتصر أهمية الزيارة السلوفينية على العلاقات العربية مع دولة أوروبية بعينها، بل تمتد إلى ما يمكن
أن تتيحه من فرص للتواصل بين إطارين إقليميين، هما جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
وقد انعكس ذلك في تناول المباحثات سبل تعزيز التعاون العربي الأوروبي، ومواصلة الحوار والتشاور
بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، خاصة أن الدول الأعضاء في التكتلات الدولية تؤدي دورًا في
صياغة المواقف الجماعية داخل مؤسساتها.
ومن ثم، يمثل توسيع دوائر التوافق مع الدول الأعضاء مدخلًا لتعزيز فرص الالتقاء بين المؤسسات الإقليمية
دون اشتراط تطابق مواقف جميع أعضائها، وهو ما يبرز أهمية الدبلوماسية متعددة المستويات في بناء
التفاهمات الدولية، انطلاقًا من العلاقات الثنائية بين الدول وصولًا إلى التنظيمات التي تنتمي إليها.
كما يتيح التواصل مع المؤسسات الأوروبية بشأن القضية الفلسطينية مسارًا موازيًا للتحرك الثنائي مع
الدول الأعضاء، بما يعزز فرص توسيع نطاق التأييد للمواقف المستندة إلى الشرعية الدولية.
احترام سيادة الدول وتعزيز الحلول السياسية
وامتدت المباحثات لتشمل مجمل التطورات الإقليمية، حيث جرى التأكيد على تغليب الحلول السياسية
والدبلوماسية، واحترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، بما يفتح المجال أمام توسيع نطاق
التفاهمات المشتركة لتشمل قضايا تتجاوز الملف الفلسطيني.
ويعكس ذلك إمكانية توظيف القضايا المركزية كنقطة انطلاق لبناء مساحات أوسع من التعاون
دون اشتراط التوافق الكامل بين الأطراف بشأن جميع الملفات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، تبدو التحركات الدبلوماسية التي تشهدها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تعبيرًا
عن دور يتجاوز مجرد إعلان المواقف العربية المشتركة، إلى العمل على تحويلها إلى أرضية لإنتاج
توافقات دولية أوسع، وإدارة الاختلافات التي قد تطرأ عليها، بما يعزز قدرة العمل العربي الجماعي
على التفاعل مع التحولات الدولية، ويحافظ في الوقت نفسه على مركزية القضية الفلسطينية
ووحدة المرجعية التي تستند إليها حقوق الشعب الفلسطيني.
وتبقى فاعلية هذه التحركات مرتبطة بمدى القدرة على تحويل المواقف المشتركة إلى التزامات
وخطوات عملية متناسقة، يمكن الحفاظ عليها وتطويرها رغم اختلاف المصالح والأولويات، إذ لا تقاس
قوة التوافق فقط باتساع دائرة الدول المؤيدة له، وإنما بقدرته على تجاوز الحدود الإقليمية والتأثير
في مسارات التحرك الدولي، وضمان استمرار الالتزام بالمبادئ التي يقوم عليها.


